
الجوف | تقرير: إبراهيم الشراري
عضو جمعية إعلاميون
تتحول المائدة الرمضانية في منطقة الجوف إلى لوحة تراثية تنطق بالأصالة، حيث لا تغيب عنها ثنائية “البكيلة” و”حليب الإبل”، اللذان يمثلان عماد الغذاء وسرّ الطاقة للإنسان في شمال غرب المملكة منذ عقود طويلة وحتى يومنا هذا.
لم تعد “البكيلة” مجرد طبق شعبي يتداوله أهالي منطقة الجوف، بل تُوِّجت مؤخرًا رسميًا من قبل هيئة فنون الطهي، التي اعتمدتها ضمن الأطباق الرئيسة الممثلة لمنطقة الجوف في مبادرة روايات الأطباق الوطنية والمناطقية. ويؤكد هذا الاعتماد القيمة التاريخية والغذائية لهذا المزيج الفريد الذي يجمع بين:
• حلوة الجوف: التمر الأيقوني الذي تشتهر به المنطقة.
• صبيب السمح: البذور المستخلصة من نبات السمح البري النادر بعد تحميصها وطحنها.
• السمن البري: الذي يمنح الطبق قوامًا متماسكًا وطعمًا غنيًا.
تُعجن هذه المكونات بدقة حتى يمتص التمر السمن ويتجانس مع دقيق السمح، لينتج طبقٌ يمدّ الصائم بالطاقة والحيوية طوال نهار رمضان.
ويُعد نبات “السمح” كنزًا غذائيًا ثمينًا تنفرد به صحراء الجوف، وتحديدًا في أراضي بسيطة التابعة لمحافظة طبرجل، الملقبة بسلة غذاء المملكة. وبينما ترعى المواشي أجزاء النبتة، يختص الإنسان ببذورها (الصبيب)، التي تدخل في قائمة طويلة من الأكلات الشعبية الشهيرة في المنطقة، مثل: البكيلة، البسيسة، البثولية، اللهمّة، عصيدة السمح، والمثقلة، إضافةً إلى خبز السمح المميز.
ويحتوي السمح على العديد من العناصر الغذائية، منها: البوتاسيوم، والصوديوم، والكالسيوم، والمنغنيز، والحديد، والزنك، والنحاس، وفيتامين (C). ويُعد من الأغذية النادرة التي تجمع هذه العناصر مجتمعة في مكون طبيعي واحد.
ولا تكتمل المائدة الجوفية دون “حليب الإبل”، أو ما يُعرف بـ”حليب الخلفات”. ويُعد اللبن الغذاء الرئيس لبدو الصحراء ومشروبهم المفضل، إذ يُتناول غالبًا طازجًا.
وقد قيل قديمًا عن لبن الإبل إنه “مُقطّع الشهوات”، كنايةً عن قيمته الغذائية العالية وقدرته على الإشباع ومنح الجسم القوة؛ لذا فهو يتربع على عرش المائدة الرمضانية، ويُعد من أبرز علامات إكرام الضيف، حتى إن تقديمه وحده قد يغني عن سائر الطعام.
إن تصدُّر “البكيلة” وحليب الإبل للمشهد الرمضاني في الجوف ليس مجرد تمسك بالعادات، بل هو ذكاء غذائي فطري؛ إذ يوفر هذا المزيج توازنًا مثاليًا بين السكريات الطبيعية، والألياف، والبروتينات، مما يساعد صائمي المنطقة على الحفاظ على نشاطهم في أجواء إيمانية يفوح منها عبق الماضي العريق.