الارتباط بين كلمتي “صحافة” و “مصداقية” هو ارتباط أزلي وقديم بقِدم الصحافة نفسها، ويمكن القول إنه لا توجد كلمة أكثر ترددًا والتصاقًا بكلمة “صحافة” من هذه الكلمة، وذلك لدرجة نوشك معها أن نقول إنه لا صحافة حقيقية من دون مصداقية. ولو قُدِّر لأي وسيلة إعلام أن تختار لنفسها صفةً وسِمةً تُعْرَف بها، لما اختارت غير صفة المصداقية.
وأرى أن “القافلة” قد أثارت النقاش حول هذه القضية المهمة والحساسة، إشارة إلى ما نشر في عددها رقم 709 (مارس – أبريل 2025م)، تحت عنوان “مستقبل الإنترنت والقرية العالمية في ظل التزييف العميق”، فمع ظهور الإنترنت وانتشارها في منتصف التسعينيات، بزغ ما بات يُعرف بـ”الإعلام الجديد” و”صحافة المواطن”، وهو ما شكَّل تحديًا وجوديًا غير مسبوق لوسائل الإعلام الأخرى السائدة التي باتت تُعْرف بـ”الإعلام التقليدي”، في إشارة إلى الصحافة المطبوعة والتلفزيون والإذاعة. وعلى الرغم من قفز هذه الوسائل، بدرجات متفاوتة، على الإنترنت في محاولة منها للبقاء، فإن الصراع ظل مستمرًا حتى يومنا هذا، ولجأ فيه الإعلام التقليدي ومناصروه بكل ما أوتوا من قوة للتشبث بمكانتهم، مستخدمين في ذلك أهم الأوراق المتاحة لهم وآخرها، وهي “المصداقية”؛ إذ نسبوا تلك المصداقية لأنفسهم واتهموا الإعلام الجديد بضعف المصداقية أو حتى افتقادها.
والسؤال حاليًا هو: ما مدى صحة هذا الرأي بأن الإعلام التقليدي يتفوق بميزة المصداقية على الإعلام الجديد، وأن هذا الإعلام الجديد ضعيف أو حتى خالٍ من المصداقية؟
في البداية دعونا نوضح أن “المصداقية الإعلامية” تعني ” ثقة الجمهور بالوسيلة الإعلامية، ومدى تقديرها وتفضيلها كمصدر للمعلومات والآراء. وترتبط هذه المصداقية بعوامل تشمل: دقة المعلومات وجودتها والتحقق من مصادرها، والالتزام بالموضوعية من خلال البعد عن الأهواء والمصالح الذاتية في التناول الإعلامي، والعدل في الحكم على الأشخاص والأحداث والموضوعات والقضايا”. وتُعدُّ المصداقية حجر الزاوية في العمل الإعلامي، فهي الرابط الأساس بين وسائل الإعلام وجمهورها، والعامل الرئيس في بناء الثقة والقدرة على الإقناع والتأثير. والمصداقية تعدُّ ضرورة للإعلام ليكون مصدرًا للمعرفة والنقد والرقابة المجتمعية ومحاربة الفساد. وفي عصر تتلاطم فيه المعلومات من كل حدب وصوب، يصبح الحفاظ على المصداقية واجبًا مشتركًا بين الصحفيين، والمؤسسات الإعلامية، والجمهور، والتقنية نفسها.
إن الرأي القائل إن الإعلام التقليدي أكثر مصداقية، يستند إلى مبررات لعلَّ أهمها أن وسائل الإعلام التقليدية غالبًا ما تكون مرتبطة بمؤسسات معروفة وراسخة، وهي تخضع لضوابط قانونية ومهنية صارمة تتضمن مواثيق الشرف الإعلامي وهيئات تنظيم الإعلام والتدقيق الصحفي السابق للنشر. وهذا يعني، من ناحية أخرى، تلافي الفوضى المعلوماتية الراهنة؛ لأن نشر المعلومات في النظام التقليدي يكون أكثر انضباطًا نظرًا لمروره بقنوات محددة وواضحة، بعكس اليوم، حيث يمكن لأي شخص أو جهة القيام بنشر المعلومات والأخبار دون أدنى تحقُّق.
لكن اعتبار مصداقية الإعلام التقليدي حقيقة مطلقة، فيه قدر كبير من التسطيح والتبسيط، وذلك لعوامل عديدة تتعلق بطبيعة كل وسيلة وسياقها وأهدافها وجمهورها، وهو رأي يُغْفِل الحقائق المهمة التالية:
خلاصة القول، إن المصداقية ليست ميزة محتكرة لإعلام دون آخر، بل هي خلاصة ممارسة مهنية، ووعي مجتمعي، وقيم ومبادئ أخلاقية. وهي جميعها أمور تتطلب جعل الحقيقة هدفًا وأولوية، وذلك بغض النظر عن نوع الوسيلة وشكلها وتصنيفها.
د. سعود كاتب
عضو جمعية إعلاميون
skateb@