في عالم يعج بالمشكلات والخلافات، وتملؤه الضغوط النفسية، ولا يخلو من ضعاف النفوس، قد تعيش في عالم تحاصره الصراعات الشخصية بشكل فج وفاضح، وتقع ضحية لهذا الواقع المأزوم دون أن يكون لك أي ذنب. وربما تتعرض لخسائر فادحة على الصعيد المهني والمالي والنفسي.
حديثي هنا عن عالم الأعمال، وتحديداً عن بيئات العمل السامة. للأسف، أصبحت هذه السُمّية تتزايد في الساحة المهنية بشكل غير مقبول، ولا مفهوم واضح لأسبابها. فقد انقلبت المعادلة؛ من كون بيئة العمل مصدرًا للعيش ومساحة لإبراز القدرات، إلى مصدر قلق وتوتر مستمر.
الكثير منا عملوا أو ما زالوا يعملون في مختلف القطاعات، وندرك جميعًا أن الوظيفة جزء لا يُغفل من حياة أي فرد، ومفترق طرق مؤثر على قراراتنا الشخصية، فهي مصدر دخل رئيسي، بل إن أغلب من التحقوا بالتعليم الجامعي اختاروا تخصصاتهم وفقًا لوظيفة أو جهة معينة يرغبون بالانضمام إليها.
لديّ تشبيه أراه يحاكي الواقع نوعًا ما: الوسط المهني بات أشبه بساحة معركة، الكل فيها يقاتل لإثبات ذاته، وكأن النصر هو أن تُظهر ما لديك، لا أن تعمل ضمن فريق.
وهذا يعني أن عملية البحث عن عمل صعبة جدًا، لكن الأصعب هو الاستمرار فيه. ولكل شخص أهدافه: من يسعى لاكتساب الخبرة ولو على حساب العائد المادي، ومن يضع الدخل كأولوية، ومن يبحث عن بيئة هادئة داعمة، وآخر يطلب مرونة مطلقة. فالسؤال هنا: ما الأهم؟ وعلى أي أساس تختار وظيفتك القادمة؟
ربما سمعت بصديق أو زميل ترك عمله رغم راتبه العالي، فقط لأنه لا يشعر بالراحة. فبعض أماكن العمل، رغم ميزاتها، تفتقر إلى التقدير والدعم. ويشعر الموظف فيها أنه كالفانوس: يحترق ليضيء للآخرين. هذا النوع من الضغط غير مقبول. لا أقصد هنا التهاون أو قلة الانضباط، بل يجب أداء العمل بأمانة، ولكن دون إفراط أو تفريط. فمكان العمل لا يتوقف على أحد، بل يقوم على فريق متكامل.
وقد تجد مديرًا متعنتًا لا يعرف المرونة، غليظ الطباع، يضيق على الموظفين بلا مبرر، مما يخلق بيئة طاردة. وبعض الجهات لا تفي بوعودها بعد التعيين، فيجد الموظف نفسه لاحقًا يطالب ويحتج، لكن بعد فوات الأوان. كل هذه النماذج تدل على خطورة بيئة العمل السامة.
حديثي هنا لا يشمل الشخص الجامد، السلبي، عديم الطموح، الذي لا هدف له سوى تنغيص حياة الآخرين. فهذا النوع موجود في كل منظمة، وأثره سلبي يتعدى نفسه.
وفي نهاية هذا الحديث الطويل نوعًا ما، أشاركك رؤيتي: التوازن بين المقومات هو الأفضل. فالمادة ضرورة، والخبرة تصنع المستقبل، وبيئة العمل السليمة هي الأساس في الإنجاز دون ضغوط نفسية أو صراعات هامشية.
أعلم أنني أطلت، لكن ما كتبته هو نوع من “الفضفضة” لما عايشته في تجربتي المهنية المتواضعة، وأظنك –يا من تقرأ الآن– تملك تجارب مشابهة.
أنت أيها الموظف المكافح، لم تُخلق لأجل الوظيفة فقط. فهي جزء من حياتك، لا كلها. لديك جوانب شخصية، وأسرية، ودينية، تستحق منك اهتمامًا وعطاءً لا يقل عن عطائك المهني. فلا تختزل نفسك في ساعات العمل فقط.
أ. يوسف الزير
@yusofalzeer91
عضو جمعية إعلاميون