مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“برقٍ تعدّاك لا تستخيله”

مرّ علي هذا البيت للأمير محمد بن أحمد بن محمد السديري رحمة الله عليه، مصادفة عبر سناپشات، فبحثتُ عن تتمته (وحسب المصادر، فإنّ البيتين جزء من مساجلة بين الأمير ورشيد الزلامي، رحمهما الله):

“برقٍ تعداك لا تستخيله
لو زان لك عشبه ومرعاه
و
برقٍ يفوتك لو مزونه مراهيش
لا تستخيل أمطار سحبٍ مقافي”

إن كان من تقاطع لمعنى البيتين فهو أفضل ما يكون مع مفهوم التّجاوز. يُقال بأنّ: “الحياة تجاوزات، أن تتجاوز ألمك وهزيمتك وتتجاوز بعض الأشخاص أحيانًا”. لا يعني التّجاوز الصفح ولا النّسيان ولا التّسامح، التّجاوز هو ألا تقف كثيرًا عند المواقف التي تزعجك بشكل أو بآخر، أن تدرك مشاعرك جيّدًا وتستغرق ما تحتاج إليه من وقت لتنفّس عنها، وفي مرحلة معيّنة، شريطة ألا تطول، تترك كلّ ذلك وراءك وتتقدم خطوة للأمام.

الأبيات تختصر الكثير من الفرص التي لم تكن مُقَدّرَة لنا، ولم تكُن خيرًا في وقتها. وعن أشخاص ينطبق عليهم المثل: “اللي ما يعدّك مكسب، لا تعدّه راس مال”، من لم يمثّل وجودنا بالنسبة لهم أهمية، عن مخططات وأحلام حاولنا تحقيقها لكنّها ببساطة لم تنجح. كلّ تلك بُروقٌ حملت سُحُبًا لمطرٍ ليس لنا والأبيات تعلّمنا تجاوزها، مهما ظننا أنّها تحمل لنا نفعًا أو خيرًا. في التّجاوز استغناء وثقة بالله بأنّ الخير قادمٌ وآتٍ، وما من ضرورة أن يكون كما نتمناه أو نتوقعه، قد يكون أفضل، ويأتي في وقته المناسب تمامًا.

أحسب أنّ هناك علاقة وطيدة، بين معرفة الإنسان لقيمته وحبه لنفسه – لا نرجسية – بل تحقيقا لـ:”رحم الله امرءا عرف قدر نفسه”، وبين التجاوز. وأحسب كذلك أنّ الكثير من مشاكلنا بيننا وبين ذواتنا، في فهمنا للحياة وتعاملنا مع تحديّاتها يكمن في هذه الدائرة. أن تعرف متى ترحل كما عنون د.أنمار مطاوع حديثًا له قبيل سنوات، أن تعرف متى تصمت دون الدخول في جدال عقيم، أن تعرف متى تميّز ما بين الطرق التي تليق بك وتلك التي تعود بك للوراء.

الحياة مليئة بالفرص، وهي في ذات الوقت قصيرة، وما نحن إلا ضيوفًا عليها، استخلفنا الله للنفع، ولأنفسنا علينا حقًّا. التّجاوز هو الهجر دون أذى، والاستثمار في أرضٍ نسقيها فتُثمِر، وقبل ذلك أن نكون مؤهلون للعطاء، أن نعطي أنفسنا حتّى نتمكن من منح غيرنا. التّجاوز تصالح مع النّفس ومؤشر من مؤشرات النّضج، فلنتجاوز قدر ما كتبه الله لنا من عمر، ولنلتفت لما هو أهم وأولى أن نمنحه الطاقة والاهتمام.

 

د. غيداء الجويسر
‏@galjuwaiser
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop