لم يعرف الإنسان في تاريخه لحظة كان فيها القرب من الشهرة أسهل مما هو اليوم. لم يعد الطريق يحتاج إلى سنوات من العمل ولا إلى موهبة نادرة، بل يكفي أن تلتقط الكاميرا لحظة مختلفة، أو كلمة ملفتة، أو لقطة مثيرة حتى يتحول شخصٌ عادي إلى اسم يعرفه الجميع. ومع هذا الانفتاح غير المسبوق، وُلد هوس جديد يتسلل إلى النفوس بهدوء: “هوس الشهرة”.
هذا الهوس لا يتعلق فقط بالرغبة في أن يعرفنا الآخرون، فالحاجة إلى الاعتراف جزء طبيعي من تكوين الإنسان. لكنه يتحوّل إلى مشكلة حين يصبح الظهور هدفاً بحدّ ذاته، لا وسيلة لتحقيق شيء أكبر. فحين يصبح الظهور أهم من القيمة، والانتباه أهم من المعنى، يتحول الإنسان إلى نسخة مصقولة تُبنى لأجل إرضاء الجمهور، لا لأجل التعبير عن الذات. وفي هذه اللحظة يفقد الضوء جماله، ويتحول من حلم إلى عبء.
لم يعد هوس الشهرة مقتصراً على الفنانين أو المؤثرين، بل امتد إلى الجميع. الأطفال الذين كانوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء أو مهندسين صاروا يحلمون بأن يكون لديهم “متابعون”. الشباب الذين يفترض أن يبحثوا عن شغفهم الحقيقي، أصبحوا يقيسون مستقبلهم بما يمكن أن يجلبه لهم الظهور. وحتى العلاقات الإنسانية لم تسلم؛ البعض بات يعيش وكأنه في عرضٍ دائم، يخشى أن يفوّت لحظة قد تمنحه ضوءاً إضافياً.
هوس الشهرة اليوم لا يقتصر على محاولة الظهور، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الحياة اليومية بطريقة تخدم هذا الظهور. كثيرون باتوا يعيشون وكأنهم أمام كاميرا مفتوحة دائماً. كل موقف يمكن أن يصبح مادة للنشر، وكل خطوة تُحسب بقيمة إن كانت “تصلح للانتشار” أم لا. ومع الوقت، يتراجع الجانب الحقيقي من الحياة لصالح نسخة محسنّة تُعرض على الآخرين، حتى لو لم تشبه صاحبها.
ومع ذلك، يبقى الجانب النفسي هو الأكثر هشاشة. الشخص الذي يطارد الشهرة يعتمد في شعوره بقيمته على نظرة الجمهور. يزداد عدد المتابعين، فيشعر بالرضا. ينخفض التفاعل، فيبدأ بالقلق. ومع كل هذا، يعيش في خوف دائم من التراجع، من أن يُنسى، من أن يأتي غيره ليأخذ مكانه. وهذا الخوف يدفعه إلى التغيير المستمر في شخصيته وسلوكه وحتى مبادئه، فقط ليحافظ على الضوء الذي حصل عليه. وبذلك يصبح أسيراً لصورة صنعها هو بنفسه، لكنها باتت أثقل من أن يحملها.
وما يزيد الأمر تعقيداً أن الشهرة في عصر السرعة هشة وقصيرة العمر. ملايين الأشخاص يصعدون ثم يختفون خلال أيام. الجمهور يتنقل بسرعة البرق من ظاهرة إلى أخرى، ولا يتوقف طويلاً عند أي اسم. هذا الصعود السريع يمنح صاحبه شعوراً مؤقتاً بالقوة، لكنه يترك وراءه فراغاً كبيراً عندما ينطفئ، مما يدفع بعضهم لإعادة المحاولة بأي وسيلة وبأي ثمن، وكأنهم يطاردون صدى لحظة لم يكتمل معناها.
ومع ذلك، ليست الشهرة كلها سلبية. حين تأتي من عمل حقيقي أو موهبة أو فكرة صادقة، يمكن أن تكون باباً للتأثير، ومساحة لإحداث تغيير. لكن الفرق كبير بين شهرة تُبنى على معنى، وشهرة تُبنى على ضجيج. الأولى تحمل صاحبها، والثانية تلتهمه.
التحرر من هوس الشهرة لا يعني رفضها، بل فهم حدودها. أن ندرك أن قيمتنا لا تُقاس بعدد من يعرفنا، بل بما نعرف نحن عن أنفسنا. وأن الظهور الحقيقي لا يبدأ من إعجاب الآخرين، بل من وضوح الإنسان مع ذاته، ومن شعوره أنه يقدم شيئاً يستحق أن يُرى، حتى لو لم يصل للجميع.
في النهاية، ليست المشكلة في الرغبة بأن يكون للإنسان صوت مسموع. المشكلة في أن يتحول الصوت إلى صياح، والظهور إلى غاية، والشهرة إلى هوية. فالضوء جميل حين يصل إلى شخص يعرف طريقه… لكنه قاسٍ حين يقع على شخص يبحث فقط عن أن يُرى، دون أن يعرف لماذا.
أ.الحجاز الثقفي
alhijazmusleh@
عضو جمعية إعلاميون