في كل صباح، تتكرر الحكاية نفسها: طرق مزدحمة، شوارع متوقفة، وتدفق خانق لا يشبه حركة سير في مدينة تحلم بالتطوّر. وعلى الرغم من أن أصابع الاتهام تُوجَّه عادةً نحو السائقين وازدياد عدد المركبات، إلا أن الحقيقة الأكثر صراحة تكمن في مكان آخر: بعض القرارات التنظيمية ذاتها هي التي تُنتج الأزمات المرورية، بدل أن تحلّها.
ليس غريبًا اليوم أن تصادف طريقًا مغلقًا فجأة، دون إعلان مسبق أو خطة واضحة لمسار بديل. الأكثر غرابة أن التحويلة التي وضعت كحلّ مؤقت قد تكون أضيق من أن تستوعب نصف الحركة التي تمرّ في الطريق الأصلي. هكذا يتحوّل الإجراء المفترض أنه “منظِّم” إلى شرارة أزمة تمتد لعدة كيلومترات.
توقيت الإشارات الضوئية هو الآخر يحكي فصلاً مختلفًا من القصة. إشارات تتجاهل ساعات الذروة، فتفتح لمسار شبه خالٍ وتغلق على مسار مكتظّ، وكأنها تُدار وفق تقويم آخر لا علاقة له بنبض الشارع.
هذه القرارات لا تصنع ازدحامًا عابرًا فحسب؛ بل تصنع مزاجًا عامًا متوترًا، ووقتًا ضائعًا، واستهلاكًا للوقود، وتلوثًا يتفاقم. والأسوأ من ذلك أنها تخلق فجوة من عدم الثقة بين المواطن والجهة التنظيمية: لماذا اتُّخذ هذا القرار؟ وما الهدف منه؟ ولماذا لم تُدرَس نتائجه مسبقًا؟
جوهر المشكلة ليس في القرار بحد ذاته، بل في كيفية اتخاذ القرار. فحين تُعتمد إجراءات مرورية دون دراسة حركة السير الفعلية، ودون بيانات دقيقة أو نماذج محاكاة، تصبح المدينة حقل تجارب مفتوحًا، يدفع ثمنه مئات الآلاف من السائقين كل يوم.
وحين تغيب الرؤية الشاملة، وتُتخذ الحلول كردّة فعل لا كخطة، يصبح الزحام نتيجة طبيعية لا يمكن تفاديها.
ليس الهدف من هذا النقد جلد الذات، بل الدعوة إلى تحسين القرارات. فإدارة المرور تمتلك القدرة على قلب المشهد تمامًا إذا ما تبنّت خطوات عملية واضحة، من أهمها:
1. إجراء دراسات حركة دقيقة قبل أي إغلاق أو تحويل، تعتمد على تحليل فعلي لعدد المركبات وساعات الذروة.
2. إعلان القرارات مبكرًا وبشفافية، وإرفاقها بخرائط ومسارات بديلة واضحة للسائقين.
3. تطبيق أنظمة ذكية لإدارة الإشارات تعمل وفق كثافة الحركة لحظة بلحظة، لا وفق جداول ثابتة.
4. تنسيق كامل بين المرور والجهات الإنشائية لمنع تداخل الحفريات وتكرار الاضطرابات في الموقع نفسه.
5. اختبار القرارات بشكل مؤقت قبل اعتمادها رسميًا، وتحديثها بناءً على نتائج التجربة.
حين تُدار الطرق بعقلية تخطيطية لا ارتجالية، يصبح كل قرار خطوة نحو مدينة أسهل وأسرع وأكثر إنسانية. الازدحام ليس مصيرًا محتومًا، بل نتيجة لسلسلة خيارات يمكن تحسينها.
وما بين قرار سيّئ يصنع الأزمة، وقرار جيّد يخففها، تقف إدارة المرور في موقع الحسم. فهل نرى يومًا طرقًا تتحرك بانسيابية… لأن القرارات مدروسة وحكيمة وسلمية لخدمة المصلحة العامة.
د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون