في الموارد البشرية، لا تبدأ أغلب النزاعات من سوء نية، بل من سوء اتفاق ، من غموض الوصف الوظيفي، إلى تمدد المهام، إلى تلك العبارة المتكررة: «كنت أظن أنك ستفعل ذلك».
وأثناء تأملي في أحد الطروحات التي استوقفتني، وجدت أن من أعمق دروس إدارة العلاقة التعاقدية لم يأتِ من أدلة السياسات أو نماذج العمل الحديثة، بل من مشهد قرآني بالغ البساطة والوضوح: اتفاق موسى عليه السلام في مَدْيَن.
اتفاق مختصر، لكنه محكم، حدّد المدة، وحدّد الخيار، وحدّد المسؤولية، ثم أغلق باب النزاع قبل أن يُفتح ، في الموارد البشرية، نحن لا نبحث فقط عن موظف ملتزم، بل عن علاقة عمل عادلة. علاقة يعرف فيها الموظف بوضوح:
• ما المطلوب منه تحديدًا.
• ما هو الحد الأدنى المقبول للأداء.
• ما يُعد جهدًا إضافيًا لا يُفرض ولا يُحمّل ضمنيًا.
كثير من الخلافات الوظيفية لا تنشأ لأن الموظف قصّر، بل لأن التوقعات لم تكن واضحة منذ البداية. يبدأ العمل بنوايا حسنة، ثم تتسع المهام بصمت، وحين يعترض المنفذ يُتهم بعدم التعاون ، هنا تتجلى قيمة العبارة العميقة: «فلا عدوان عليّ» ليست رفضًا للعمل، بل رفضًا للتجاوز ، ليست تقليلًا من المسؤولية، بل حماية للاتفاق.
كموارد بشرية، لا يقتصر دورنا على كتابة العقود أو اعتماد السياسات، بل يمتد إلى حماية الإنسان من ضبابية الدور ، أن نضع الوصف الوظيفي بوضوح ، ونحدد المهام دون مطاطية مُرهِقة، ونفرّق بعدالة بين الواجب والتطوع، وبين الأداء المطلوب والجهد الإضافي.
وحين تُضبط العلاقة من بدايتها، يصبح التقييم أكثر إنصافًا، والمساءلة أكثر عدلًا، وبيئة العمل أكثر صحة واستقرارًا. فالعقود قد تحمي الحقوق على الورق، لكن الوضوح يحمي الكرامة في الواقع.
وفي النهاية، مهما بلغت دقة اللوائح، يبقى الضمير هو الرقيب الحقيقي ، حين يُستشعر أن الله هو الوكيل على ما نقول ونوقع، يتحول الالتزام إلى قناعة، والوفاء إلى سلوك، لا مجرد إجراء.
رسالة لكل قائد، ولكل مسؤول موارد بشرية: ابدأ بالوضوح… فهو أول أشكال العدالة، وأصدق طرق الاستدامة الوظيفية.
د. جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون