مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

سِّهام القريب.. قاتلة!؟

ليست كلُّ الجِراح القادمة من بعيد موجِعة، فالبعيدُ لا يملك خريطة قلبك، ولا يعرف مواضع الهشاشة فيك. السِّهام الأشدُّ وقعًا، تلك التي تعرف الطريق دون عناء، تنطلق غالبًا من الدائرة الأقرب: حيث الثقة، وحيث الأمان، وحيث نخلع دروع الحذر لأننا نظن أننا في مأمن.

نمنح القريب مفاتيحنا بلا حساب؛ نفتح له نوافذ أرواحنا، ونسمح له أن يرى ما لا يراه سوانا. وحين يُسيء استخدام هذه المعرفة، لا يكون الألم في الفعل وحده، بل في خيانة المعنى. فالجُرح هنا مزدوج: جرح الإصابة، وجرح الاكتشاف.

لكن الحكمة لا تُولد من الشك، بل من الوعي. ليس المطلوب أن نغلق أبوابنا أو نعيش متحفّظين إلى حد القسوة، بل أن نُحسن توزيع الثقة، وأن نفهم أن القرب مسؤولية، وأن المحبة لا تُعفي من الحدود. فكما أن القرب يُنبت الطمأنينة، قد يُنبت الأذى إن خلا من القيم.

التجربة تُعلّمنا أن نُميّز بين من يقترب ليحمي، ومن يقترب ليُجرّب قوته علينا. وتُعلّمنا أيضًا أن العفو لا يعني العودة، وأن الصفح لا يُلغي الحكمة. فالقلب الكريم لا يتصلّب، لكنه يتعلّم أين يضع خطوته القادمة.

وفي النهاية، ليست العبرة بعدد السهام، بل بما نصنعه بعدها. قد تُصيبنا من حيث لا نتوقع، لكننا نملك دائمًا خيار النهوض، وترميم الثقة على مهل، وبناء دائرةٍ أقرب… أكثر صدقًا، وأقل إيذاءً.

 

أ. حياة القصيري
@hayatMEA2030
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop