مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

اختيار النفس.. أنانية أم ضرورة نفسية؟

لم يعد اختيار النفس يفهم بوصفه سلوكًا أنانيًا بقدر ما أصبح ضرورة نفسية يفرضها واقع الحياة المتسارع وتعدد الأدوار وتزايد الضغوط. ففي كثير من الأحيان،يختزل الالتزام في قدرة الإنسان على التحمل ويقاس العطاء بكم التضحيات لا بجودة الحضور حتى يتوارى الاحتياج النفسي خلف شعارات الواجب والمثالية وإرضاء الآخرين . واختيار النفس لا يعني الانسحاب من العلاقات أو التنصل من المسؤوليات،بل هو إدراك واعي بأن العطاء المتزن لا يصدر إلا من نفس حاضرة ومتزنة. فحين يمنح الإنسان نفسه حق الراحة ويضع حدودًا واضحة ويحسن قول «لا» في مواضعها ، فإنه لا يختار الأنانية بل يختار الاستمرارية. إذ إن النفس المهملة طويلًا لا تعبر عن إنهاكها بضجيج بل تفقد شغفها وتضعف دافعيتها ويبهت عطاؤها دون أن يلاحظ ذلك أحد. وفي البيئات المهنية والتربوية، يساء أحيانًا فهم هذا المفهوم،فينظر إلى من يحدد حدوده على أنه أقل التزامًا بينما الواقع أن الأفراد الأكثر وعيًا بذواتهم هم الأقدر على العطاء بجودة أعلى وعلى المدى البعيد. فاختيار النفس لا يلغي الانتماء، بل يحميه من التحول إلى عبء نفسي ويجعل الالتزام نابعًا من قناعة داخلية لا من ضغط خارجي. كما أن اختيار النفس لا يتعارض مع المحاسبة أو تحمل المسؤولية،بل يتكامل معهما حين يكون مبنيًا على وعي صادق بالقدرات والإمكانات. فمعرفة الإنسان لحدوده لا تعني ضعفًا،بل نضجًا يساعده على التعامل مع النقد والتقويم بمرونة دون جلد للذات أو شعور دائم بعدم الكفاية. وفي زمن يمجد الاستنزاف ويكافئ الإفراط في العطاء، يصبح اختيار النفس فعل وعي ومسؤولية نفسية وأخلاقية. فهو ليس ترفًا ولا أنانية بل شرط أساسي لصحة الإنسان، وجودة عطائه واستدامة أثره الإنساني والمهني وبوابة لعلاقة أكثر صدقًا مع الذات والآخرين.

 

أ. نادية الجودي
‏@Nadiaaljoud
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop