لا تسكبي الماء في الطرقات المريبة؛ فليس كل طريق يستحق الامتداد، ولا كل ضجيج جدير بالانتباه. أحيانًا، يكفي قليلٌ من العطر ليقود أنوف العابرين إلى المعنى، وقليلٌ من الورد ليعبق في الأرجاء فيبتسم النهار، وتستعيد الأيام قدرتها على الدهشة. فالحياة لا تُقنعها الكثرة، بل الصدق، ولا تُجدي معها الفوضى بقدر ما ينفعها التوازن.
في زحمة الصخب، نتعلّم أن نلملم أرديته، لا أن نرتديها. نحفظها في حقيبة الصمت إلى حين مزاجٍ رائق، لأن الصمت ليس فراغًا، بل مساحة لإعادة الترتيب. هناك، تتخفف الروح من أثقالها، ويستعيد القلب نبرته الهادئة، بعيدًا عن ضجيج لا يشبهه.
أمام مرآة النهار، نحتاج أن نجدّل ضفائر الهمة، واحدة من الصبر، وأخرى من الأمل، وثالثة من الإصرار. فالبدايات لا تُولد مصادفة، بل تُصنع حين نخرج من توابيتنا الحجرية، تلك التي نبنيها حول أنفسنا خوفًا من الخيبة أو تعبًا من التكرار. وحين نُشرع أيدينا للشمس، لا نطلب الدفء فقط، بل نعلن استعدادنا لاحتضان الحياة كما هي، بنورها وظلالها.
التنفس بعمق ليس تفصيلًا عابرًا، بل فعل وعي. أن تتنفس يعني أن تعترف بحقك في اللحظة، ثم تعود إلى الظل لتُنقّي بذور الفكر في صحوة النور. فالتأمل لا يناقض الحركة، بل يوجّهها، ويمنحها معنى يتجاوز العجلة.
وفي تفاصيل الصباح، تُعد قهوة يومك بحبٍ بالغ، لا كعادةٍ آلية، بل كطقسٍ شخصي للتماسك. تسكبها في فم رفيقك الدائم، الفنجان المهيأ بمزاجك المتجدد، ذاك الذي يرسم بأبخرته قلمًا ودفترًا ومحبرة. من هذا البخار، تبدأ الكتابة؛ كتابة المذكرات التي نعود إليها كلما استبدّ بنا الحنين، وكلما اشتقنا إلى أنفسنا كما كنّا.
نكتب لنحفظ ذاكرتنا من التبدد، ولنعود إلى مراتع الصبا، تلك الأماكن التي احتضنت فورة شبابنا الأولى، ولم يغادرها حنيننا إلى هذا اليوم. فالزمن يمضي، لكن الأمكنة التي سكنتنا لا ترحل، تبقى شاهدة على أحلامنا الأولى، وعلى قلوب كانت أخفّ، وأقرب إلى الفرح.
هكذا تُصنع النجاة اليومية: بقليل من العطر، وبقليل من الورد، وبكثير من الوعي. أن نختار الصمت حين يعلو الصخب، وأن نحتضن الشمس حين نحتاج النور، وأن نكتب كي لا ننسى. ففي هذه الطقوس البسيطة، نجد أنفسنا من جديد، ونمنح الحياة فرصة أن تكون أقل قسوة، وأكثر قابلية للحب.
الجوهرة ال مرعي
@c3w125
عضو جمعية إعلاميون