مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

يوم التأسيس .. بوصلة الدولة

لا يُقاس التاريخ بما انتهى إليه فقط، بل بما تجرّأ على البدء فيه. ومن هذا المنطلق، لا يأتي يوم التأسيس في المملكة العربية السعودية بوصفه استذكارًا لحدثٍ ماضٍ، بل بوصفه استحضارًا للحظة وعي سياسي مبكرة، تشكّل فيها مفهوم الدولة قبل أن تكتمل صورتها المؤسسية.

في الثاني والعشرين من فبراير 1727م، لم يكن التأسيس إعلانًا شكليًا لسلطة، بل كان تأسيسًا لفكرة الاستقرار بوصفه خيارًا سياسيًا، وليس كنتيجة عابرة. فقد أدرك الإمام محمد بن سعود، في سياق بالغ التعقيد، أن بقاء الكيانات لا يتحقق بالقوة المؤقتة، بل ببناء شرعية قادرة على الاستمرار، وتنظيم العلاقة بين الحكم والمجتمع.

ما يميّز تجربة الدولة السعودية الأولى أنها نشأت مع محيطها الاجتماعي على فهم عميق له. فلم يكن التأسيس انقلابًا على الواقع، بل إعادة ترتيب له، عبر ترسيخ الأمن، وضبط المصالح، وبناء نموذج حكم يستمد قوته من الاستقرار قبل التوسع. ولهذا، لم تكن الدولة فكرة طارئة، بل مشروعًا قابلًا للتجدد، حتى بعد التعثر والانقطاع.

ويأتي يوم التأسيس اليوم بوصفه مكملًا لليوم الوطني، وليس بديلًا عنه. فبينما يحتفي اليوم الوطني بتوحيد الدولة الحديثة، يعيد يوم التأسيس الذاكرة إلى الجذور الأولى للدولة السعودية.

وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة اليوم، تكتسب هذه المناسبة بعدًا معاصرًا. فهي تذكّر بأن مشاريع التحديث وبناء المستقبل لم تنفصل يومًا عن فهم عميق لفكرة الدولة بوصفها كيانًا حيًا، يتكيف مع التغيير والتطوير ولكنه لا يفقد ثوابته ولا يتنكر لبداياته.

إن الاحتفاء بيوم التأسيس، في جوهره، ليس احتفالًا بالماضي بقدر ما هو قراءة واعية له، لفهم كيف نشأت الدولة، وكيف حافظت على قدرتها على العودة، وعلى إعادة تعريف ذاتها في كل مرحلة تاريخية.

ويعد يوم التأسيس، بوصلة لا تُشير إلى الماضي فقط بل تضبط اتجاه الحاضر وتمنح التحوّل معناه دون أن يفقد جذوره.

 

شادية الغامدي
@shadiyah_gh
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop