في كل بدايةٍ حماسٌ يلمع كقطعة بلاستيكية جديدة؛ براقة، خفيفة، قابلة للتشكيل، لكنها بلا جذور ، ندخل باندفاع، نصافح الفكرة بقوة، نعلن الالتزام عاليًا، نرتّب المواعيد، نرفع الشعارات؛ ثم فجأة، يتسلل الصمت .. يتوقف النفس.. ويبدأ التعتع.
الالتزام الحقيقي لا يولد من مزاج، ولا يعيش على رغبة عابرة ، لكنه حين يُبنى على انبهار اللحظة، يتحول إلى “تعتعة بلاستيكية”… شكلٌ يوحي بالثبات، وجوهرٌ يذوب مع أول حرارة ضغط.
كم مرة بدأنا مشروعًا بحماسةٍ تشبه العاصفة؟ كم مرة تعهدنا لأنفسنا بالاستمرارية؟ ثم إذا تغيّر المزاج، أو حجبت العين بريق البداية، تراجعنا خطوة… فخطوتين… حتى أصبح الانسحاب قرارًا مريحًا؟
المشكلة ليست في الحماس؛ الحماس جميل ، لكن الخطأ أن نجعل الاستمرارية رهينة شعورٍ متقلب، أن نربط الالتزام بالرغبة، لا بالمبدأ، أن تعمل اليد حين تشتهي، وتتوقف حين تملّ.
وهنا تحضرنا قصةٌ نبوية عظيمة في معناها التربوي؛ حين قال رسول الله ﷺ: “أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ” رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم. لم يقل أكثرها، ولا أضخمها، ولا أبهَرها… بل أدومها.
كان ﷺ يعلّم أصحابه أن القليل المستمر خيرٌ من الكثير المنقطع ، وكانت السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها تصف عمله فتقول إنه إذا عمل عملًا أثبته؛ أي داوم عليه.
هذا هو الفارق بين الالتزام الصادق والتعتعة البلاستيكية:
الأول ينبع من وعيٍ ورسالة، والثاني يتغذّى على مزاجٍ متقلب.
الاستمرارية ليست بطول النفس؛ بل بصدق الاتجاه ، ليست اندفاعًا لحظيًا، بل انضباطًا هادئًا، ليست رغبةً تشتعل سريعًا، بل قرارًا يتجدد كل يوم.
قد تتوقف قليلًا لتلتقط أنفاسك،
قد تمرّ بفترة فتور، لكن الفرق أن صاحب الرسالة يعود. أما صاحب المزاج، فيبحث عن بدايةٍ جديدة ليعيش وهجها فقط.
التعتعة البلاستيكية تجعلنا نبدو ملتزمين؛ لكنها لا تبني أثرًا، أما الالتزام الأصيل، فينحت بصمت، ويثمر مع الزمن، ويترك خلفه أثرًا لا يذوب.
فاسأل نفسك: هل ما تفعله اليوم التزامٌ أم انبهار؟ هل استمراريتك قرارٌ أم حالة شعورية؟ هل أنت صاحب رسالة… أم عاشق بدايات؟ لأن الحياة لا تكافئ أكثر المتحمسين.. بل تكافئ أكثرهم ثباتًا.
د. جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون