مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

يوم التأسيس.. من الخيمة إلى القصر

في عام 1727م، حين انطلقت الدولة السعودية الأولى من الدرعية، لم يكن ما تأسّس آنذاك مجرد كيانٍ سياسي جديد، بل نموذجًا مختلفًا في فهم معنى الدولة.
فالدول قد تولد سريعًا، لكن القليل منها فقط يستمر قرونًا. والفرق لا يكمن في حجم الموارد، بل في وضوح الفكرة التي قامت عليها.

الخيمة التي مثّلت البدايات لم تكن علامة فقر، بل تعبيرًا عن ترتيب أولويات؛ فيها تقدّمت العقيدة على المصالح، وتقدّم الواجب على الرغبة، وتقدّم الانتماء على الفردية. كانت بسيطة في شكلها، لكنها صلبة في منظومتها القيمية. ومن داخل هذا الاتساق نشأ مشروع الدولة.

وحين انتقلت المسيرة إلى مرحلة التمكين وارتفعت القصور، لم يكن ذلك قطيعة مع الخيمة، بل تطويرًا لها. فالقصر لم يكن ترفًا، بل مؤسسة؛ لم يكن بذخًا، بل استقرارًا. لقد تحوّلت القيم إلى نظام، وتحولت الفكرة إلى دولة قادرة على الاستمرار.

وهنا تتشكّل المعادلة التي تفسّر استمرارية المملكة العربية السعودية عبر ثلاثة قرون؛ وذلك لثباتٌ في المرجعية… ومرونةٌ في الوسائل.

التاريخ الحديث يقدّم أمثلة عديدة لدولٍ تسارعت في التحديث، لكنها فقدت توازنها حين قطعت صلتها بجذورها. فالتحديث، حين يتحوّل إلى قطيعة مع الهوية، يصبح مشروعًا هشًّا مهما بدا متقدمًا في ظاهره. أما التطور الذي ينطلق من داخل المنظومة القيمية، فإنه يتحول إلى امتداد طبيعي لها، لا إلى صراع معها.

اليوم، وبعد ثلاثة قرون، لا تُقرأ التجربة بوصفها قصة محلية، بل حالةً تستحق التأمل في زمن التحولات الكبرى. في عالمٍ تُرهق فيه المادية الإنسان، ويُربك التسارع المجتمعات، تعود مفاهيم الاتساق الداخلي والمرجعية الثابتة لتصبح عناصر استقرار، لا شعارات رمزية.

الدول لا تُختبر في لحظات البناء، بل في لحظات التحوّل. وكثير من الكيانات تضعف لا لأنها لم تتقدم، بل لأنها تقدّمت بلا بوصلة. أما الدولة التي تحرس فكرتها الأولى، فتستطيع أن تتغيّر دون أن تتفكك، وأن تنفتح دون أن تذوب.

يوم التأسيس، إذًا، ليس استدعاءً للماضي، بل تذكيرٌ بقاعدة استراتيجية:
أن استدامة الدولة لا تتحقق بالقوة وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، بل بالاتساق بين الفكرة والممارسة، وبين المرجعية والسلوك.

الدول التي لا تحرس جذورها تُهزم من داخلها، مهما بلغت قوتها في الخارج.
أما الدولة التي تحمل قيم خيمتها إلى داخل قصرها، فهي قادرة على العبور من قرن إلى قرن دون أن تفقد نفسها. وهذه ليست قصة مكان.. بل درس دولة.

 

نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop