مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المحتوى الرمضاني.. رسالة أم مشاهدات؟

 

مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتجه الأنظار إلى الشاشات والمنصات الرقمية كما تتجه إلى المساجد، في مشهد يعكس حضور الإعلام كشريك يومي في تشكيل تجربة الشهر. ولم يعد المحتوى الرمضاني مجرد مادة ترفيهية عابرة، بل أصبح صناعة موسمية متكاملة تُرصد لها الميزانيات الضخمة وتُصمَّم لها الاستراتيجيات الدقيقة، ما يطرح سؤالًا مهنيًا مهمًا: هل يؤدي الإعلام رسالته في هذا الموسم الروحي، أم ينشغل بسباق المشاهدات فقط؟

الحقيقة أن المنافسة الإعلامية في رمضان ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر حدّة وتأثيرًا بفعل تعدد المنصات وسرعة القياس الرقمي للتفاعل. فالأرقام أصبحت لغة القرار، ونِسب المشاهدة تحولت إلى بوصلة تحدد اتجاه المحتوى. وهنا يكمن التحدي الحقيقي؛ حين يصبح النجاح مرهونًا بالانتشار وحده، قد تتراجع القيمة، ويتقدّم الإبهار على المعنى، ويتحوّل المحتوى من رسالة إلى منتج.

المؤسسات المهنية تدرك أن الموسم الرمضاني ليس اختبار جذبٍ جماهيري فحسب، بل اختبار مسؤولية أيضًا. فالجمهور في هذا الشهر يكون أكثر حساسية للرسائل، وأكثر استعدادًا للتأثر، ما يمنح الكلمة والصورة أثرًا مضاعفًا. لذلك فإن أي طرح سطحي أو مبالغ في الإثارة لا يمر مرورًا عابرًا، بل يترك أثرًا طويلًا في الوعي العام.

المعادلة المتوازنة لا تعني إلغاء الترفيه، فالمتلقي بطبيعته يميل إلى ما يخفف عنه، لكنها تعني أن الترفيه نفسه يمكن أن يحمل قيمة، وأن الجاذبية لا تتعارض مع العمق. الإعلام المؤثر هو من ينجح في الجمع بين الاثنين؛ يقدم محتوى ممتعًا دون أن يفرّغ الفكرة، وجذابًا دون أن يتخلى عن رسالته.

في النهاية، يبقى المحتوى الرمضاني مرآة لوعي صانعيه. فإما أن يكون موسمًا للارتقاء بالذوق والفكر، أو يتحول إلى سباق ضجيج رقمي عابر. والفيصل هنا ليس عدد المشاهدات، بل نوع الأثر. لأن ما يبقى بعد انتهاء الموسم ليس ما شاهدناه… بل ما غيّر فينا شيئًا.

من هنا تبرز الحاجة إلى مواثيق شرف مهنية موسمية تُذكّر العاملين في المجال بأن خصوصية الزمن تستدعي خصوصية الطرح. فرمضان ليس كأي فترة بث، بل مساحة وجدانية يعيشها المجتمع كاملًا في توقيت واحد، وهذا ما يمنح الرسالة الإعلامية قوة نادرة. وحين يدرك صانع المحتوى هذه الحقيقة، سيعرف أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعلانات، بل بقدرة المادة على ملامسة القيم التي جاء الشهر ليحييها في النفوس.

لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على من يملك أعلى نسبة مشاهدة، بل على من يملك رسالة أوضح. فالإعلام الذي يحترم عقل جمهوره في رمضان، يربح ثقته طوال العام، أما الذي يراهن على الإثارة المؤقتة، فسيخسر حضوره مع أول تغير في المزاج العام. وهنا تتحدد قيمة الرسالة الإعلامية بين أثر يبقى، وضجيج يزول سريعًا بلا أثر حقيقي. وتلك هي المعادلة الفاصلة دائمًا حقًا.

 

أ. خيرية حتاته
‏Khairiah_Writes@
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop