مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

من ابن خلدون إلى المعهد الملكي

قبل ستة قرون لم يكن ابن خلدون مؤرخًا بالمعنى التقليدي الذي نعرفه اليوم.
لم يكن شغله الشاغل أن يسرد وقائع السنين أو يدوّن أخبار الملوك والدول كما يفعل معظم المؤرخين. كان يفعل شيئًا أكثر جرأة وأعمق أثرًا: كان يحاول فهم الإنسان نفسه.
حين كتب مقدمة ابن خادون لم يكن يقدّم مجرد تمهيد لكتاب في التاريخ ، بل كان يفتح بابًا فكريًا جديدًا لفهم المجتمعات البشرية.
فقد نظر إلى التاريخ باعتباره نتيجةً لحركة الإنسان في المجتمع، لا مجرد حكاية للأحداث ، ومن هنا بدأ يتساءل: لماذا تنهض الأمم؟ ولماذا تضعف؟ ما الذي يجعل جماعةً بشريةً قادرة على البناء ، بينما تنزلق أخرى إلى التراجع والانهيار؟
بهذه الأسئلة العميقة بدأ ابن خلدون يفكك ظواهر المجتمع ، فدرس العصبية والعمران البشري وتحولات الدولوأنماط العيش وقوانين الاجتماع الإنساني.
لم يكن يتحدث عن قبائل وأحداث بوصفها قصصًا تاريخية ، بل بوصفها نماذج لفهم طبيعة البشر حين يجتمعون ويؤسسون حضارة.
ولذلك يرى كثير من الباحثين اليوم أن ما كتبه في مقدمته كان نواة مبكرة لما أصبح يُعرف في عصرنا بايم علم الأنثروبولوجيا ، ذلك العلم الذي يدرس الإنسان في سياقه الثقافي والاجتماعي ، ويحاول أن يفهم كيف تتشكل المجتمعات ، وكيف تصوغ القيم والعادات والهوية.
لقد سبق ابن خلدون عصره بقرون حين أدرك أن التاريخ ليس مجرد أحداث ، بل هو انعكاس لطبيعة الإنسان ، وأن فهم المجتمع لا يكون بتسجيل الوقائع فقط، بل بتحليل العوامل العميقة التي تحرك البشر وتصوغ سلوكهم.
واليوم وبعد مرور قرون طويلة على تلك الرؤية الفكرية المبكرة ، نشهد في المملكة العربية السعودية خطوة علمية وثقافية لافتة تعيد الاعتبار لهذا النوع من المعرفة الإنسانية. فقد وافق مجلس الوزراء السعودي على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافيه ، في قرار يعكس وعيًا متقدمًا بأهمية دراسة الإنسان وثقافته في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية.
هذا القرار ليس مجرد إنشاء مؤسسة أكاديمية جديدة ، بل هو إعلان عن مرحلة فكرية أكثر عمقًا في فهم المجتمع.
فالمملكة وهي تمضي في مسيرة تحولها التنموي الكبير، تدرك أن التنمية الحقيقية لا تقوم على الاقتصاد والبنية التحتية وحدهما ، بل تحتاج أيضًا إلى فهم دقيق للإنسان الذي يقف في قلب هذه التحولات.
فالمجتمعات ليست أرقامًا في تقارير التنمية ، ولا مجرد مدن تُبنى وطرق تُشيد.
المجتمعات هي ذاكرة وثقافة وقيم وأنماط حياة ، وهي شبكة معقدة من العادات والتقاليد والرؤى التي تشكّل هوية الإنسان وتحدد طريقه في الحاضر والمستقبل.
وهنا تكمن أهمية الأنثروبولوجيا ، فهي العلم الذي يقرأ الإنسان من الداخل ويحلل ثقافته وسلوكه وعلاقته بالمكان والتاريخ.
إنها العدسة التي تسمح بفهم أعمق لكيفية تشكّل المجتمعات ، وكيف تحافظ على هويتها في خضم التغيرات الكبرى.
ومن هذا المنطلقيأتي تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية ليكون جسرًا بين المعرفة الأكاديمية والواقع الاجتماعي ، فهو يفتح المجال لدراسة التنوع الثقافي في المملكة وتوثيق التراث الاجتماعي وفهم التحولات التي يعيشها المجتمع السعودي في ظل مرحلة تاريخية مليئة بالتغيير والتجدد.
كما أنه يمنح الباحثين منصة علمية لدراسة الثقافة السعودية بعمق ، ليس فقط بوصفها تراثًا محفوظًا في الذاكرةبل بوصفها قوة حية تصنع الحاضر وتؤثر في المستقبل.
ولعل أجمل ما في هذه الخطوة أنها تعيد الاعتبار لفكرة قديمة عبّر عنها ابن خلدون قبل قرون:أن فهم الإنسان هو المفتاح لفهم الحضارة.
ولهذا لكل من يريد أن يقترب من روح هذا العلم قبل مصطلحاته ، ولكل من يسعى إلى فهم كيف تفكر المجتمعات وكيف تتغير، فإن البداية الحقيقية لا تزال هناك في الصفحات الأولى من مقدمة ابن خلدون.
هناك سيكتشف القارئ أن عبقرية هذا المفكر لم تكن مجرد اجتهاد تاريخي ، بل رؤية فكرية واسعة ما زالت حتى اليوم تسبق كثيرًا من قراءات عصرنا للإنسان والمجتمع.
وإذا كان ابن خلدون قد حاول قبل ستة قرون أن يقرأ قوانين العمران بعقل مفكر واحد ، فإن المملكة العربية السعودية اليوم تسعى إلى قراءة الإنسان والمجتمع بمؤسسات علمية متخصصة ورؤية حضارية واسعة.
وهكذا يلتقي الماضي بالمستقبل ، فكرةٌ وُلدت في عقل مفكر قبل قرون ،تجد اليوم امتدادها في مشروع علمي وطني يطمح إلى فهم الإنسان بوصفه صانع الحضارة وحارس هويتها.

 

سعيد رجاء الأحمري
@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop