ليس العيد كما نظنه دائمًا؛ فهو لا يأتي إلى البيوت بالطريقة نفسها، ولا يطرق القلوب جميعها بالفرح ذاته. هناك من يستقبله بالضحكات، وهناك من يستقبله بالصمت، وآخرون يبتسمون للناس بينما يخفون في داخلهم حنينًا لا يهدأ.
فالعيد في جوهره ليس زينة الشوارع ولا ازدحام الأسواق، بل تلك اللحظة الصادقة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه، ليدرك كم تغيّرت الحياة، وكم أخذت السنوات معها من الوجوه التي كانت تصنع العيد وتمنحه دفأه.
في طفولتنا كان العيد بسيطًا، لكنه كان واسعًا كالحلم. كانت الفرحة تولد من أشياء صغيرة: ثوب جديد، قطعة حلوى، ويد أبٍ أو أمٍ تمسك بأيدينا ونحن نسير نحو صلاة العيد. يومها كان العالم يبدو أخفّ، وكانت القلوب أكثر صفاءً مما هي عليه الآن.
ثم نمضي في العمر، فتكبر الأيام وتثقل المسؤوليات، ويصبح العيد أكثر هدوءًا وأقل صخبًا. تمر بنا أعياد لا يجلس فيها بعض الذين اعتدنا حضورهم حول المائدة، فنكتشف أن الفرح قد يكون ناقصًا… لكنه يظل فرحًا.
وفي كل بيتٍ تقريبًا في العيد مقعدٌ فارغ؛ مقعدٌ تركه شخصٌ غاب، لكنه بقي حاضرًا في الذكريات. نتذكر صوته، وضحكته، ودفء وجوده، فنفهم أن العيد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل مرآة للحنين أيضًا.
ومع ذلك، يحمل العيد في أعماقه رسالة خفية لا تخطئها القلوب؛ رسالة تقول إن الحياة — رغم كل ما تأخذ منا — ما زالت تمنحنا فرصة لنكون أكثر رحمة بالآخرين، وأن نعيد وصل ما انقطع، ونفتح أبواب قلوبنا للتسامح، ونتذكر أن أعظم ما يمكن أن نقدمه في هذا اليوم ليس الهدايا، بل المشاعر الصادقة.
وفي صباح العيد، حين تتردد التكبيرات في السماء، يشعر الإنسان أن شيئًا ما يُغسل في داخله؛ كأن الروح تتخفف من أثقال الأيام، وكأن القلب يتعلم من جديد أن للحياة وجهًا آخر غير التعب والانتظار.
فالعيد الحقيقي ليس في الثياب الجديدة، ولا في الصور التي نلتقطها لنبدو سعداء، بل في أن يبقى في القلب متسعٌ للحب، وأن يجد الإنسان في نفسه القدرة على أن يمنح الآخرين بعض الضوء… حتى وهو يحمل في داخله شيئًا من الحنين.
لهذا يبقى العيد أجمل من كل مظاهره؛ فهو ليس يومًا عابرًا في السنة، بل لحظة إنسانية عميقة تذكّرنا بأننا — مهما أثقلتنا الحياة — ما زلنا قادرين على أن نبتسم… وأن نبدأ من جديد.
فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون