مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

محمد بن سلمان.. العقد الذي غيّر مسار السعودية

لم يكن العقد الأخير في تاريخ المملكة العربية السعودية مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل كان عقدًا أعاد تعريف طموح الدولة وحدود ما يمكن أن تحققه.

في تاريخ الأمم تظهر أحيانًا عقود زمنية تختصر تحولات طويلة كانت تحتاج في السابق إلى أجيال كاملة. ليست مجرد سنوات تمر في سجل الزمن، بل لحظات تاريخية يعاد فيها تشكيل مسار الدولة وطريقة تفكيرها في المستقبل. وفي المملكة العربية السعودية يمكن القول إن السنوات التسع الماضية كانت واحدة من تلك اللحظات الفارقة التي أعادت رسم ملامح الدولة الحديثة، وهي مرحلة ارتبطت بشكل واضح بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

فما شهدته المملكة خلال هذا العقد لم يكن مجرد برامج إصلاح اقتصادي أو تحديث إداري تقليدي، بل كان تحولًا عميقًا في فلسفة الدولة نفسها؛ انتقالًا من إدارة الموارد إلى صناعة المستقبل، ومن اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على مورد واحد إلى اقتصاد متنوع يسعى إلى المنافسة في عالم سريع التحول.

حين أُعلنت رؤية المملكة 2030 عام 2016 لم تكن مجرد وثيقة اقتصادية أو خطة تنموية عادية، بل كانت إعلانًا عن مرحلة جديدة في التفكير الاستراتيجي للدولة السعودية. فقد انطلقت الرؤية من إدراك واضح بأن العالم يتغير بسرعة، وأن الدول التي تريد الحفاظ على مكانتها لا بد أن تبادر بصناعة مستقبلها بدل الاكتفاء بإدارة حاضرها.

ومن هذا المنطلق بدأت المملكة رحلة تحول اقتصادي واسعة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني، وتعزيز الاستثمارات المحلية والدولية، وتطوير قطاعات جديدة مثل السياحة والثقافة والترفيه، إضافة إلى دعم الاقتصاد الرقمي والابتكار.

وخلال أقل من عقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر بوضوح في بنية الاقتصاد السعودي، حيث توسعت القطاعات غير النفطية، وازدادت الاستثمارات العالمية، وتعزز دور صندوق الاستثمارات العامة ليصبح أحد أبرز الصناديق السيادية تأثيرًا في الاقتصاد العالمي.

غير أن قراءة هذه المرحلة من زاوية الاقتصاد وحده لا تكفي لفهم عمق التحول الذي تشهده المملكة. فالمشاريع يمكن أن تُبنى، والاقتصادات يمكن أن تنمو، لكن التحول الحقيقي في حياة الأمم يبدأ من طريقة التفكير التي تقود هذه المشاريع.

وإذا نظرنا إلى التحولات الكبرى في تاريخ الدول نجد أنها غالبًا ما ترتبط بمرحلة يظهر فيها قائد يعيد تعريف سقف الطموح الوطني. فبعض القادة يديرون الدولة كما ورثوها، بينما يظهر آخرون في لحظات تاريخية ليعيدوا رسم حدود الممكن فيها. وفي التجربة السعودية خلال العقد الأخير تبدو هذه السمة واضحة؛ إذ لم يكن التحول مجرد استجابة للتغيرات الاقتصادية العالمية، بل محاولة واعية لصناعة مستقبل مختلف للدولة السعودية، وهو ما جعل رؤية 2030 تتحول من خطة اقتصادية إلى مشروع وطني يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع.

وهنا تظهر شخصية محمد بن سلمان بوصفها نموذجًا لقيادة تفكر بمنطق المستقبل. فالمسألة لم تكن مجرد إدارة دولة، بل إعادة تعريف لطموحها وحدود ما يمكن أن تحققه. وهذه العقلية القيادية التي ترى الفرص في قلب التحديات هي التي دفعت المملكة إلى إطلاق مشاريع استراتيجية ضخمة أعادت رسم خريطتها الاقتصادية، من نيوم إلى مشروع البحر الأحمر إلى القدية، وهي مشاريع لا تستهدف الحاضر فقط، بل تسعى لبناء اقتصاد سعودي قادر على المنافسة في عالم ما بعد النفط.

وعلى المستوى السياسي شهدت المملكة تحولًا ملحوظًا في حضورها الدولي، إذ أصبحت لاعبًا مؤثرًا في ملفات الطاقة والاقتصاد العالمي، كما عززت دورها في تحقيق التوازن والاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على مكانتها التاريخية في العالمين العربي والإسلامي. لقد انتقلت السياسة السعودية في هذه المرحلة من موقع المتأثر بالأحداث إلى موقع المشارك في صياغتها.

لكن التحول الأهم في أي مشروع نهضوي لا يقاس بالمشاريع وحدها، بل بمدى انعكاسه على حياة الإنسان. وخلال السنوات الماضية شهد المجتمع السعودي تحولات واسعة في فرص العمل للشباب، ومشاركة المرأة في التنمية الاقتصادية، وتطوير التعليم والتدريب، إضافة إلى تحسين جودة الحياة في المدن السعودية.

لقد أصبح المواطن اليوم شريكًا في مشروع التحول الوطني، لا مجرد متلقٍ لنتائجه. وهذا في الحقيقة هو جوهر أي نهضة حقيقية؛ فالدول لا تبنى بالخطط وحدها، بل بالعقول التي تؤمن بهذه الخطط وتعمل لتحقيقها.

ومن هنا فإن السؤال الأهم في المرحلة القادمة لا يتعلق فقط بما ستبنيه الدولة من مشاريع جديدة، بل بما سيحمله المجتمع من وعي قادر على حماية هذه النهضة وتطويرها. فالقائد قد يرسم الطريق، لكن استمرار المسيرة يحتاج إلى مجتمع يشارك في حمل هذا الطموح.

وفي السنن القرآنية يتضح أن التحولات الكبرى في حياة الأمم تبدأ من الداخل قبل الخارج، كما يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يحققه العقد الذي شهدته المملكة ليس فقط اقتصادًا أقوى أو مشاريع أكبر، بل إنسانًا سعوديًا جديدًا يحمل عقلية المبادرة والطموح والمسؤولية.

فالقادة يرسمون الاتجاه؛ لكن الشعوب الواعية هي التي تصنع التاريخ؛ والأمير محمد بن سلمان لم يطلق مشاريع فقط… بل أطلق طريقة جديدة للتفكير في مستقبل السعودي.

 

نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop