رمضان… ذلك الضيف الذي ما إن يطرق أبواب قلوبنا حتى يرحل سريعًا، كأنه لحظة عابرة لا تُنسى. مضت أيام الصيام، وانقضت صباحاته، وهدأت لياليه التي كانت عامرة بالسكينة والطاعات. كانت المساجد تمتلئ بالمصلين، وترتفع فيها الدعوات، وتتردد آيات القرآن في أرجائها، حتى أصبحنا نشعر وكأننا نعيش في عالمٍ آخر، أقرب إلى الطهر والنقاء.
لقد ودّعنا محطة إيمانية عظيمة، وموسمًا تتجدد فيه أرواحنا، ونستعيد فيه ذواتنا، ونرمم ما تصدّع في داخلنا. فرمضان ليس مجرد شهر يمر، بل هو فرصة سنوية للإصلاح وترتيب الأوراق، ووقفة صادقة مع النفس لمراجعتها وتهذيبها؛ لأن النفس إن تُركت دون تقويم، ضاعت معالمها، وتاهت في زحام الحياة.
ومع كل رمضان، نسمع من يقول: “رمضان غيّرني”، لكن السؤال الحقيقي: هل يستمر هذا التغيير بعد رحيله؟ أم أنه مجرد أثر مؤقت ينتهي بانتهاء أيامه؟
إن رمضان مدرسة متكاملة؛ ظاهره الصيام عن الطعام والشراب، وباطنه أعمق من ذلك بكثير؛ فهو اختبار للصبر، وتهذيب للنفس، وقدرة على كبح الشهوات، والابتعاد عن الملهيات. ويثبت لنا أننا قادرون على الالتزام، وعلى القرب من الله، وعلى التحكم في تصرفاتنا وأقوالنا.
يعلمنا رمضان أن نرتب أولوياتنا، وألا ننجرف خلف أهوائنا، وأن نكون أكثر وعيًا ومسؤولية. ويعلمنا أن التغاضي عن الأخطاء قوة، وأن التسامح فن لا يتقنه الجميع، وأن اللامبالاة لا مكان لها في حياة من يسعى للإصلاح.
لكن في النهاية، القرار بيدك أنت: هل تقود نفسك، أم تتركها تقودك؟ لا يكن مروره عليك عابرًا بلا أن يترك فيك أثرًا، ودون أن يضيف إلى روحك نورًا، أو إلى قلبك صفاءً؛ فذلك ليس ظلمًا للوقت فحسب، بل ظلمٌ لنفسك.
وإن ظننت أن الفرص كثيرة، وأن العمر طويل، فأنت واهم؛ فالأيام تمضي بصمت وأنت لا تشعر، وتأخذ معها أجزاءً منا.
وكما قيل: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك”.
يوسف الزير
@yusofalzeer91
عضو جمعية إعلاميون