ليس من المصادفة أن عددًا من الأنبياء – عليهم السلام – مرّوا بتجربة رعي الغنم، بل هي سنّة إلهية عميقة تُبنى فيها شخصية القائد من الداخل قبل أن يُمكَّن في الخارج. قال النبي ﷺ: “ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم”، وكأن الرسالة واضحة: من لم يتقن قيادة الضعيف… لن يُؤتمن على قيادة الإنسان. في رعي الغنم لا يوجد تصفيق ولا إنجازات تُرى، بل صبر متكرر ومسؤولية صامتة، وهنا يبدأ بناء الوعي الحقيقي، حيث يتحمل الراعي مسؤولية قطيع لا يتكلم ولا يشتكي، فيتعلم أن يرى قبل أن يُطلب منه، وأن يتحمّل قبل أن يُحاسب، فتتشكل لديه أول طبقة من القيادة: الوعي بالمسؤولية لا انتظارها.
ومع هذا الطريق، يكتشف الراعي أن القطيع ليس واحدًا، بل فيه الضعيف والمندفع والخائف والمشتت، فيتعلم أن القيادة ليست أوامر تُعطى، بل فهم يُبنى، وأن التعامل مع البشر لا يكون بطريقة واحدة، بل بوعي الفروق الفردية. ومع مرور الوقت، تبدأ دروس الصبر العميقة، فالغنم تضل الطريق وتكرر الخطأ وتبطئ المسير، ولو كان الراعي سريع الانفعال لفقد القطيع، فيتعلم أن الصبر ليس خُلُقًا إضافيًا بل أداة قيادة، وأن الاتزان هو ما يحفظ المنظومة. وفي عزلة الصحراء، بعيدًا عن الضجيج، يواجه الإنسان نفسه دون أقنعة أو أدوار، فيولد وعي الذات، وهو أخطر أنواع الوعي، لأن من لا يعرف نفسه لا يستطيع أن يقود غيره، وهنا تتشكل القيادة من الداخل قبل أن تظهر في الخارج.
وحين ننتقل إلى قصة موسى عليه السلام مع شعيب عليه السلام، نجد أن هذا الوعي لم يكن نظريًا، بل كان شرطًا للحياة نفسها. لم يُعرض على موسى الزواج مباشرة، بل قيل له أن يعمل ويرعى الغنم لسنوات، ثماني أو عشر، وكأن الرسالة أن الزواج ليس عاطفة فقط، بل مسؤولية تحتاج إلى بناء طويل. فقبل موسى هذا الطريق، وعاش سنوات من الصبر والعمل، فتحول من إنسان هارب إلى إنسان مستقر قادر على العطاء، وتلك السنوات لم تكن تأخيرًا بل إعدادًا، ولم تكن مجرد عمل بل تشكيلًا داخليًا لإنسان سيُحمّل لاحقًا رسالة عظيمة.
وفي قصة يعقوب عليه السلام يظهر بُعد آخر من هذا الوعي، حين أحب راحيل، فعمل سبع سنوات ليتزوجها، ثم صُدم حين زُوِّج بغيرها، ثم طُلب منه أن يعمل سبع سنوات أخرى، فصبر واستمر، وهنا لم يكن الاختبار في العمل فقط، بل في الثبات رغم الخذلان، وفي الاستمرار رغم تأخر الرغبة، فتحول الحب لديه من شعور لحظي إلى التزام واعٍ، ومن رغبة إلى استحقاق، فأصبح قادرًا على بناء علاقة قائمة على الصبر والنضج لا على الاندفاع.
ولو نظرنا إلى واقعنا اليوم، نجد أن كثيرًا من الناس يريدون الوصول السريع، يريدون القيادة دون تجربة، والتأثير دون بناء، والنتائج دون صبر، لكنهم لم يمروا بمرحلة “رعي الغنم” في حياتهم، لم يتحملوا مسؤولية صامتة، ولم يعيشوا العزلة التي تكشف ذواتهم، ولم يصبروا على البناء البطيء، ولذلك نرى مديرًا يملك سلطة ولا يملك وعيًا، وأبًا يملك أبناء ولا يملك احتواءً، وقائدًا يملك صوتًا ولا يملك بصيرة. المشكلة ليست أن الناس تريد القيادة، بل أنهم يريدونها دون أن يمروا بمرحلة الرعي.
وفي نموذج وعي طويق، يتضح أن الوصول لا يأتي مباشرة، بل يمر الإنسان بمراحل متتابعة: رغبة، ثم اختبار، ثم صبر، ثم تشكّل، ثم استحقاق، ثم تمكين، وهذه ليست قصة أنبياء فقط، بل قانون حياة يتكرر مع كل من أراد أن يصل بوعي لا بعجلة. رعي الغنم لم يكن مهنة للأنبياء، بل كان أعظم برنامج إعداد قيادي في التاريخ، فيه تعلّموا كيف يقودون بلا ضجيج، وكيف يصبرون بلا مقابل، وكيف يرون ما لا يُقال، فكانوا أهلًا للزواج، وأهلًا للرسالة، وأهلًا لقيادة الأمم.
وحين نفهم هذه السنّة، ندرك أن ما نمر به اليوم من تأخير أو اختبارات ليس حرمانًا، بل إعدادًا، وأن الطريق الذي يبدو بطيئًا قد يكون هو ذاته الذي يصنع فينا إنسانًا قادرًا على حمل ما هو أعظم. فليس كل من أراد أصبح أهلًا، وليس كل من أحب استحق، لكن من صبر وتشكّل في المراحل الخفية، هو وحده من يصل في المراحل الظاهرة.
د. نوف التويجري
@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون