مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“السعودية العظمى”.. الإنسان أولًا

حين ينتقل التنفيذ من الشخص إلى المال.. تبدأ العدالة بالنضج؛ فليست كل الأنظمة تُقاس بما تضيفه من مواد؛ بل بما تُحدثه من تحوّل في طريقة التفكير.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة نظام التنفيذ الجديد في المملكة العربية السعودية لا بوصفه تحديثًا إجرائيًا فحسب، بل انتقالًا نوعيًا في فلسفة العدالة ذاتها. فالنظام، الذي يتكوّن من خمسة أبواب و98 مادة، لا يعيد تنظيم مسار التنفيذ فقط؛ بل يعيد تعريف العلاقة بين العدالة والإنسان، وبين الحق وآليات الوصول إليه.

التحول الأبرز يتمثل في انتقال التنفيذ من الضغط على الشخص إلى الوصول إلى المال. هذا التحول، وإن بدا قانونيًا في ظاهره، إلا أنه يحمل في جوهره بعدًا إنسانيًا ومهنيًا عميقًا. فالعدالة التي تبحث عن الحق في مصدره، لا في إيلام صاحبه، هي عدالة أكثر نضجًا واستدامة. لم يعد الهدف إجبار المدين بوسائل قسرية، بل الوصول إلى المال بوسائل دقيقة وذكية، عبر تتبع الأموال، وتعزيز الإفصاح، وتجريم الإخفاء أو التضليل، وتنظيم الإجراءات بوضوح زمني. وهنا لم تعد العدالة ردّة فعل… بل منظومة استباقية واعية.

هذا التوجه لا يُضعف إنفاذ الحقوق، بل يعزّزه، وهو اتجاه يتقاطع مع أفضل الممارسات العالمية في أنظمة التنفيذ الحديثة، التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين فاعلية استيفاء الحقوق وصون الكرامة الإنسانية وتقليل الآثار الاجتماعية للعقوبات التقليدية. فالدولة التي تسجن المدين قد توقفه… لكنها لا تضمن استرجاع الحق. أما الدولة التي تبني نظامًا يكشف حركة الأموال، ويغلق منافذ التلاعب، ويُلزم بالشفافية… فهي لا تعاقب فقط، بل تمنع أصل المشكلة. وهنا يرتقي مفهوم العدالة من معاقبة السلوك… إلى إدارة المنظومة التي تُنتجه.

ولا يقتصر هذا التحول على البعد القانوني، بل يمتد إلى عمق البنية الاجتماعية. فالنظام، في مقصده الأوسع، يعكس توجهًا لحماية الفئات الأكثر تأثرًا بتداعيات الإجراءات التقليدية، وعلى رأسها المرأة والطفل، بوصفهما الأكثر حساسية لأي خلل في استقرار الأسرة. وهذا يتناغم مع البعد القيمي في الثقافة الإسلامية، التي أولت عناية خاصة بحفظ كيان الأسرة، واعتبرت المرأة سكنًا يُبنى عليه استقرار الوطن، والطفل نواة المستقبل التي تُصان وتُرعى. ومن هذا المنطلق، فإن أي نظام يوازن بين حفظ الحقوق ومنع التفكك الأسري، إنما يسهم في حماية المجتمع من جذوره، لا من ظواهره فقط.

ولم يعد أثر هذا التحول محصورًا في قاعات المحاكم، بل امتد إلى داخل الأسرة. فبقاء المعيل خارج السجن في الالتزامات المالية يحفظ التماسك الأسري، ويقلل من الصدمات النفسية على الأبناء، ويمنح الأسرة فرصة لإدارة الأزمة بدل الانهيار. ومع ذلك، يبرز تحدٍ أعمق: إدارة الحياة تحت الضغط المالي بوعي ناضج. فالأزمة لم تعد صدمة مفاجئة، بل اختبارًا مستمرًا لقدرة الأسرة على الحفاظ على توازنها.

وعلى مستوى الدولة، يتجاوز الأثر الأفراد ليعيد تشكيل البيئة النظامية والاقتصادية بالكامل: رفع كفاءة تحصيل الحقوق، تعزيز الشفافية المالية، تقليل الاقتصاد الخفي، دعم ثقة المستثمرين، وتسريع التحول نحو حكومة رقمية أكثر ذكاءً. وهو ما يتناغم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء منظومة عدلية متقدمة تعزز التنافسية والاستدامة.

ورغم هذا التحول النوعي، يبقى التحدي الحقيقي في التطبيق. كما يزداد تعقيدًا في بعض الحالات العابرة للحدود، حيث تتطلب فعالية التنفيذ تكاملًا قانونيًا وتقنيًا بين الأنظمة المختلفة. وأي نظام — مهما بلغ من الدقة — قد يفقد أثره إن لم يُدعَم بثقافة وعي مجتمعي موازية، وتكامل فعّال بين الجهات المعنية، يضمن تحويل النصوص إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، يبرز بُعدٌ آخر لا يقل أهمية: الوعي بقيمة ما يُبنى. فالوطن الذي يطوّر أنظمته بهذا المستوى من التوازن بين حفظ الحقوق وصون الكرامة، يرسّخ نموذجًا يستحق أن يُصان ويُقدَّر. إن الإحساس بالامتنان لمثل هذا التوجه لا يعني الاكتفاء بالمشاهدة، بل يستدعي مسؤولية المشاركة في الحفاظ على مكتسباته، وتعزيز ثقافة الوعي التي يقوم عليها. وفي وقتٍ تواجه فيه بعض الدول تحديات تُضعف استقرارها، تتقدّم نماذج أخرى بخطوات هادئة ومدروسة، تجعل من الإنسان محور القرار، ومن استقراره غاية للتشريع.

نحن اليوم أمام انتقال عميق في فلسفة العدالة: من عدالة تُخيف… إلى عدالة تُنظّم، ومن عقوبة تُربك الحياة… إلى نظام يحفظ توازنها، ومن إدارة القضايا… إلى إدارة الوعي.

السعودية العظمى لا تُقاس بعدد من عاقبتهم… بل بعدد من أنصفتهم دون أن تكسرهم.
وحين ينتقل التنفيذ من الشخص إلى المال، فنحن لا نغيّر الإجراءات فقط… بل نرتقي بمعنى العدالة نفسها.

حين يُحفظ الحق… وتُصان الكرامة… هنا فقط نعرف أن الإنسان أصبح أولًا في ميزان العدالة. شكرًا وطني؛ وامتنانٌ لا يفيك حقك.

 

د. نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop