بالأمس القريب، كانت البيوت قلاعًا مغلقة، أبوابها لا تُفتح بسهولة، وكانت الخصوصية شيئًا له قيمة ومعنى. لم يكن أي شخص يدخل حياتنا، ولا يصل إلينا أي صوت إلا بإرادتنا. كانت الحياة أوضح، والمخاطر إن وُجدت معروفة، نتعامل معها بوعي. أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء. لم تعد الجدران تحمينا كما كانت، لأن العالم أصبح يدخل إلينا من خلال شاشة صغيرة نحملها في أيدينا.، وبشكلٍ شبه تلقائي نفتحها مرارًا خلال اليوم، لينتقل إلينا مع كل مرة سيلٌ من المحتوى دون أن نشعر فنترك حياتنا مفتوحة لكل ما يُعرض علينا.
ومع هذا التغيّر، لم يعد التأثير يأتي بشكل مباشر كما كان في السابق. ففي السابق، كان هناك شخص يتدخل بين الأسر محاولًا إفساد العلاقات… يدعى “المُخَبِّب”. أما اليوم، فقد تغيّر شكله تمامًا، وأصبح أكثر خفاءً. يدخل إلى حياتنا من خلال المحتوى الذي نشاهده يوميًا، دون استئذان، ويغادر بعد أن يترك أثره. لم يعد التخبيب كلامًا يُقال في الخفاء، بل أصبح يظهر على شكل نصائح أو مقاطع تستعرض حياة مثالية لا تشبه الواقع. وهنا تحديدًا، يظهر “التخبيب الرقمي”، حيث يحدث التأثير بشكل غير ملحوظ، بينما يعتقد الكثيرون أنهم مجرد مشاهدين فقط، يتابعون ما يُعرض أمامهم من دون أن يؤثر عليهم أو يغيّر شيئًا في أفكارهم أو مشاعرهم.
ومع مرور الوقت، لا يبقى الأمر مجرد مشاهدة عابرة، بل يبدأ تأثيره بالتدرّج. تبدأ القصة بشكل بسيط؛ شخص يتصفح هاتفه فيرى حياة تبدو مثالية أو صورًا مُعدّلة بعناية. في البداية يمرّ الأمر بشكل طبيعي، لكن مع التكرار يظهر سؤال صغيرفي ذهنه: لماذا ليست حياتي كذلك؟ ومن هنا تتحول الفكرة إلى مقارنة، ثم إلى شعور بعدم الرضا. فنقارن حياتنا الطبيعية بكل ما فيها بلحظات مختارة من حياة الآخرين، فيختل التوازن من دون أن نشعر. ومع الوقت، يتراجع الإحساس بالرضا ويبدأ الشعور بالنقص، وكأن حياتنا أقل مما ينبغي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى الكلام الذي نسمعه يوميًا، مثل “أنت تستحق الأفضل” و“لا تقبل بأقل”. هذه العبارات صحيحة، لكن أحيانًا تُفهم بطريقة خاطئة، فتجعل الشخص يرفض واقعه أو يبالغ في مشاكله. ومع تكرار هذا المحتوى، تبدأ القناعات بالتغير، فيقارن البعض شريك حياته بغيره، وتتحول العلاقة من مودة وتفاهم إلى مقارنة مستمرة. والمشكلة أن بعض من يقدمون هذه النصائح ليسوا مختصين، لكن تأثيرهم كبير جداً بسبب شهرتهم وعدد متابعيهم.
وأمام هذا الواقع، فإن الحل لا يكون في الابتعاد عن العالم الرقمي، بل في فهمه. يجب أن نعرف أن ما نراه ليس الحقيقة الكاملة، بل جزءًا مختارًا منها. فالحياة الحقيقية لا تُقاس بالصور ولا بعدد الإعجابات، بل بالتفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد؛ في الصبر، في الدعم، وفي المواقف اليومية. لذلك، كن واعيًا؛ ليس كل ما تراه يستحق أن تقارن به حياتك، وليس كل من يتحدث يجب أن تستمع إليه، لأن التأثير قد يكون غير ملحوظ… لكنه قادر على تغيير نظرتك من دون أن تشعر.
الحجاز الثقفي
@alhijazmusleh
عضو جمعية إعلاميون