تتجه الأنظار نحو مركز الملك فهد الثقافي بالرياض تزامناً مع أعمال النسخة الأولى من “ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي”، والذي اختتم فعالياته الأسبوع المنصرم، في حدث لا يقتصر على جمع الخبراء، بل يعكس بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها الثقافة من كونها نشاطاً يُقدم للجمهور، إلى مساحة يُسهم المجتمع في صناعتها.
هذا التحول يعيد تقديم الثقافة بوصفها ممارسة حية، تنمو بتفاعل الناس، وتستمد قوتها من حضورهم ومشاركتهم. وهو ما ظهر بوضوح في الطرح الذي قدمه الأمير تركي الفيصل، حين وصف المواطن بأنه “سفير لثقافة بلده”، فبهذا المعنى، لا يكون الفرد متلقياً فقط، بل شريكاً يعبّر عن ثقافته ويسهم في تشكيلها من خلال حضوره وممارساته اليومية.
وتكشف الأرقام التي طُرحت في الملتقى عن هذا التحول بشكل واضح؛ إذ ارتفع عدد المنظمات الثقافية من 30 جهة فقط في عام 2017 إلى أكثر من 1600 كيان بنهاية 2025.
هذه القفزة تعني أن كثيراً من المبادرات خرجت من الإطار الفردي، لتتحول إلى أعمال منظمة أقرب إلى المجتمع، وأكثر قدرة على تلبية احتياجاته والتعبير عن هويته.
كما يعكس الملتقى توجهاً جديداً نحو التركيز على الأثر والاستمرارية، حيث لم يعد كافياً إطلاق المبادرات، بل أصبح الأهم هو قدرتها على الاستمرار وصناعة فرق حقيقي في حياة الناس، والمساهمة في تنشيط القطاع الثقافي وخلق فرص جديدة.
في النهاية، هذا الحراك مؤشر على تحول أعمق في فهمنا لدور الثقافة، لأنه حين تُصنع الثقافة بمشاركة المجتمع، فإنها تصبح أكثر صدقاً وتأثيراً، وتتحول إلى قوة ناعمة تنبع من الناس، وتعبر عنهم، وتسهم في رسم ملامح المستقبل.
د. يوسف الهاجري
@aboaadl2030
عضو جمعية إعلاميون