مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“اقتصاد الانتباه”.. التركيز على السلعة

في قلب ما يسميه خبراء الاقتصاد المعرفي “الثورة الإدراكية”، برز اقتصاد الانتباه ليكشف أن المعركة الحقيقية اليوم لم تعد على المال، بالأصح على تركيزك. فالإنسان يملك حيزاً محدوداً جداً من الانتباه، بينما يواجه طوفاناً لا نهائياً من المحتوى. هذه الندرة البيولوجية هي ما حول الانتباه إلى عملة العصر الرقمي التي تتصارع عليها المنصات والشركات.

لم تعد المنافسة على المحتوى الأفضل، إنما على من يجذب انتباهك أولاً ويحتفظ به أطول. فالمنصة التي تكسب انتباهك تكسب وقتك وسلوكك وقرارك الشرائي. ولأن الانتباه أصبح “النفط الجديد”، صُممت المنصات بهندسة سلوكية دقيقة: التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات الحمراء. كلها آليات تستهدف كيمياء الدماغ والدوبامين. لهذا يتفقد المستخدم العادي هاتفه مئات المرات يومياً في “ترقب دائم” صنعته الخوارزميات.

الأرقام ترسم المشهد. تقرير DataReportal 2024 يكشف أن المستخدم يقضي ساعتين و23 دقيقة يومياً على وسائل التواصل، أي 500 مليون سنة من عمر البشرية تُستهلك سنوياً. وفي الشرق الأوسط يرتفع الرقم إلى ثلاث ساعات وعشر دقائق. تطبيق التيك توك وحده يستحوذ على 67 دقيقة يومياً من مستخدمه. بينما تتراجع زيارات Google بنسبة 4%، يقفز ChatGPT إلى مليار زيارة أسبوعياً لأنه يكسب انتباهك أسرع.

الكلفة بدأت تظهر. منظمة الصحة العالمية حذرت في سبتمبر 2024 من قفز “الاستخدام الإشكالي” بين المراهقين من 7% إلى 11% خلال أربع سنوات، مع ارتباط مباشر بالقلق وتشتت الانتباه.

إدراك وزارة الإعلام السعودية لهذا الخطر، ونشرها إنفوجرافيك توعوي على X، هو إعلان أن معركة الوعي القادمة هي معركة انتباه. كما قال معالي الوزير سلمان الدوسري: “في كثير من النماذج الإعلامية المعاصرة أصبح الانتباه هو المتحكم”.

ونؤكد في مقالنا هذا بأن اقتصاد الانتباه هو النموذج التشغيلي الخفي لعالمنا. انتباه محدود يقابله محتوى لا نهائي، والنتيجة سوق وقودها تركيزك. لهذا المسؤولية ثلاثية: على المنصات تبني التصميم الأخلاقي، وعلى الحكومات حماية “السيادة الإدراكية” للمواطن، وعلى الفرد إدراك أن انتباهه أثمن أصل يملكه. لأنه في الثورة الإدراكية، من يكسب انتباهك يكسب كل شيء.

 

د. علي الحازمي
‏@kingdomsa1st
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop