مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الكرم السعودي.. هوية أخلاقية راسخة

لم يكن الكرم في المملكة العربية السعودية يومًا مجرد سلوك اجتماعي عابر، أو مجاملة تُمارس في المناسبات، بل ظل — ولا يزال — تعبيرًا عميقًا عن جوهر الإنسان وقيمه الأصيلة. إنه مزيج متكامل من الضيافة التي تحتفي بالآخر، والكرم الذي يمنح بسخاء، و«حسن الذات» الذي يعكس نقاء النفس وسموها.

وحين تتآلف هذه العناصر الثلاثة، فإنها لا تُنتج سلوكًا مؤقتًا، بل تُشكّل هوية متجذّرة، تعكس شخصية المجتمع السعودي الذي عُرف — حكومةً وشعبًا — بإكرام الضيف، والاحتفاء بالزائر، وبذل العطاء دون انتظار مقابل.

الكرم، في هذا السياق، ليس فعلًا منفصلًا عن الذات، بل امتداد طبيعي لها. إنه قيمة أخلاقية تُمارس بوصفها واجبًا غير مكتوب، يشعر الفرد من خلاله أن إكرام الضيف جزء من تعريفه لنفسه، ومن صورته التي يريد أن يقدّمها للعالم. ومن هنا، يتجاوز الكرم كونه سلوكًا، ليصبح «لغة» إنسانية تعبّر عن أصالة المجتمع وتماسكه.

وقد تعزّز هذا المعنى عبر البعد الديني، حيث أولت التعاليم الإسلامية عناية كبيرة بإكرام الضيف، وربطت الكرم بالإيمان والعمل الصالح. فاختلط الموروث الثقافي بالتوجيه الديني، ليُنتج نموذجًا فريدًا من العطاء، يجمع بين البعد التعبّدي والإنساني في آنٍ واحد.

أما تاريخيًا، فقد نشأت هذه القيم في بيئةٍ كان فيها التكافل ضرورة، والتضامن أسلوب حياة. لم يكن إطعام الغريب ترفًا، بل واجبًا إنسانيًا تفرضه ظروف الصحراء وشح الموارد، قبل أن يتحوّل مع الزمن إلى قيمة رمزية عليا تُقاس بها المكانة، ويُعرف بها الشرف.

واليوم، ومع ما تشهده المملكة من تطورٍ حضاري متسارع، لا تزال هذه القيم حاضرة بقوة، تتجلّى في المبادرات المجتمعية، وفي ممارسات الأفراد والمؤسسات، وفي صورة الوطن التي تُقدَّم للعالم بثقة واعتزاز. فالكرم لم يتراجع أمام الحداثة، بل ازداد نضجًا واتساعًا، ليشمل أوجهًا متعددة من العطاء الإنساني والاجتماعي.

إن الضيافة والكرم وحسن الذات ليست مجرد مفاهيم متجاورة، بل منظومة متكاملة تُجسّد روح المجتمع السعودي، وتؤكد أن القيم الأصيلة قادرة على الاستمرار، بل والتجدّد، مهما تغيّرت الظروف وتعاقبت الأزمنة.

وفي زمنٍ تتبدّل فيه المعايير سريعًا، يبقى الكرم السعودي علامة فارقة، ودليلًا حيًا على أن العطاء حين ينبع من الداخل، يتحوّل إلى إرثٍ لا يزول.

 

د. عبدالرحمن بن جنيد
@bnjneed
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop