في مرحلة من مراحل الحياة، يمر الإنسان بتجربة صامتة لكنها عميقة الأثر؛ يشعر فيها بأن الدائرة من حوله تضيق، وأن الوجوه التي كانت تملأ يومه بدأت تتلاشى، وأن المسافات بينه وبين الآخرين لم تعد كما كانت. والغريب في الأمر أن هذا الابتعاد لا يكون دائمًا مؤلمًا كما يُظن، بل قد يحمل في طياته نوعًا من الشفاء الهادئ.
عندما يبتعد أغلب الناس عنك، تنكشف لك حقيقة العلاقات: من كان حاضرًا لسبب، ومن كان ثابتًا لذاتك. غير أن الأعمق من ذلك أنك تبدأ في ملاحظة أمر آخر… أنك لست وحدك كما كنت تظن.
في تلك المساحة التي خلّفها غياب الآخرين، يتجلّى حضور الله بصورة أوضح. تصبح الدعوة أقرب، والدمعة أصدق، واللجوء إليه أكثر تلقائية. لم تعد تبحث عمّن يفهمك بقدر ما تبحث عمّن يطمئنك… فتجده.
إن القرب من الله في لحظات العزلة ليس مجرد تعويض عن غياب الناس، بل هو إعادة ترتيب للأولويات. تدرك أن الطمأنينة لا تُستعار من الآخرين، بل تُزرع في القلب من الداخل، وأن الهدوء الذي كنت تفتقده في زحام العلاقات كان ينتظرك في خلوة صادقة مع ربك.
أما الأقربون الذين بقوا، فهم ليسوا مجرد استثناء، بل هم نعمة تستحق الامتنان. وجودهم يؤكد أن الحياة لا تفرغ تمامًا، بل تنقّي نفسها لتُبقي لك من يشبهك ويصدقك.
ليست كل عزلة مرضًا، وليست كل وحدة ضعفًا. أحيانًا تكون هذه المرحلة بمثابة إعادة تأهيل نفسية يعيدك الله فيها إلى نفسك… ثم إليه.
فإذا شعرت يومًا أن الناس قد ابتعدوا، فلا تُسارع إلى تفسير ذلك على أنه خسارة. فقد يكون ذلك بداية اصطفاء هادئ، يقرّبك من المعنى الحقيقي للسكينة… حيث لا تحتاج أحدًا بقدر ما تحتاج أن تكون قريبًا من الله.
بجاد العتيبي
@alotaiby511511
عضو جمعية إعلاميون