مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“فأمّا”.. حين تتحول الحياة إلى نتائج؟

من أكثر الكلمات التي تستوقفني في القرآن كلمة “فأمّا” ، ليست كلمة طويلة، ولا معقدة في معناها اللغوي، لكنها تحمل فلسفة حياة كاملة، فكلما جاءت في القرآن شعرت أنها لحظة إعلان للنتائج بعد زمن من الاختبارات، وكأنها تقول: انتهى وقت الادعاءات، وحان وقت الفرز. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾؛ ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾؛ طرفان، طريقان، ونتيجتان مختلفتان.

والحقيقة أن حياتنا كلها تسير وفق هذا القانون الإلهي، في بدايات الأعمال تختلط الأوراق، المجتهد يبدو مثل غيره، والمخلص مثل غيره، ومن يعمل بصمت قد لا يلتفت إليه أحد، لكن الأيام لا تبقى عند البدايات طويلًا، فسرعان ما تأتي مرحلة “فأمّا”، فأمّا من جعل عمله أمانة قبل أن يكون وظيفة، فإن أثره يكبر وإن تأخر ظهوره، وأمّا من جعل جهده مرتبطًا بالرقابة والثناء فقط، فإن بريقه يخفت بمجرد غيابهما.

وفي العلاقات الإنسانية يحدث الأمر ذاته ، فأمّا من يحفظ الود عند الخلاف، ويصون الأسرار عند الفراق، ويذكر المحاسن قبل العيوب، فإنه يبني علاقات تبقى سنوات طويلة، وأمّا من يجعل كل اختلاف معركة، وكل زلة قضية، وكل موقف سببًا للقطيعة، فإنه قد يجد نفسه يومًا محاطًا بالناس ولكنه وحيد بينهم.

ولعل أجمل ما في منهج “فأمّا” أنه لا يستعجل النتائج ، فالله سبحانه لم يربط الثمار بلحظة واحدة، بل ربطها بالاستمرار والثبات، لذلك نجد في السيرة النبوية أن أعظم الإنجازات لم تولد دفعة واحدة، ثلاث عشرة سنة في مكة والنبي ﷺ يبني الإنسان قبل أن يبني الدولة، ويغرس القيم قبل أن يجني الثمار ، ثم جاءت الأيام التي رأى فيها الناس نتائج ذلك الصبر الطويل، وهذا ما ننساه كثيرًا في زمن السرعة، نريد نجاحًا قبل بذل، وثقة قبل إثبات، وعلاقات قوية قبل استثمار حقيقي فيها ، نبحث عن النتيجة بينما نتجاوز الأسباب.

لكن القرآن يعلمنا أن الحياة لا تُدار بهذه الطريقة؛ فهناك دائمًا مرحلة عمل، ثم تأتي بعدها مرحلة “فأمّا” .

فأما من صبر على التعلم أتقن.. وأما من صبر على الناس كسبهم.. وأما من صبر على المسؤولية استحقها.. وأما من صبر على المبادئ ثبت عليها.

لهذا لم تعد كلمة “فأمّا” بالنسبة لي مجرد أداة تفصيل، بل مرآة أرى فيها الحياة كلها ، فهي تذكرني بأن كل موقف أعيشه اليوم، وكل قرار أتخذه، وكل كلمة أقولها، إنما هي مقدمة لنتيجة ستظهر عاجلًا أو آجلًا.

 

د. جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop