مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

أثر وسائل التواصل الاجتماعي على المجتمع

2/11/2022

ربما تساءلت يومًا كيف عاش أسلافنا ومن قبلنا قبل التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وكيف اعتادوا قضاء وقتهم، وكيف يتواصلون، وما إذا كانوا سعداء …

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من كثير من حياتنا بعد ظهورها وانتشارها السريع في المجتمع، ولا يقتصر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على فئات عمرية أو معرفية محددة، بل إنها متاحة للجميع، كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي طريقة جذابة بحيث لا تتوقف عند حد معين، لأنه يتم تحديثها دائمًا، وتناشد كل من يقرأها.

ولكن مع هذا التطور الكبير هل تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مصدر لكسب الثقافة وتطوير الذات وتحسين العلاقات الاجتماعية؟ أم أن آثارها السلبية ستصبح ذات الطابع الغالب على هذا الظهور؟، وهل تصبح وسائل التواصل الاجتماعي على غير مسمى وتقطع صلة أقرب العلاقات ببعضها لينعزل الإنسان داخل الشبكة العنكبوتية ليكون علاقات أخرى جديدة وهمية متخفياً وراء شاشة الحاسوب أو الهاتف المحمول؟، وهل يصبح وجود الشخص ممسكاً بهاتفه ومتابعاً لوسائل التواصل الاجتماعي إدماناً؟

لقد كان القدماء ما قبل السوشيل ميديا، يعيشون حلاوة أيامهم قبل أن تمضي وتصبح ذكرى في ألبوم صور، أو مشهد عابر في فيلم “أبيض وأسود”، أو شريط فيديو أصبح ديكوراً يزين مكتبة التليفزيون، أو بقايا لعبة كنا نجتمع حولها، نضحك ونلعب ونحكي ونتبادل النكات، كانت أنفسنا ترتاح لهذه الحياة، ونمطها الهادئ كفيل بأن يبقينا على قيد السعادة لفترة طويلة.

لقد كانت الحياة ملكا لهم وليس لعموم البشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أسرارهم في بئر وليست في غرفة دردشة مع صديق افتراضي، مشاكلهم ليست مطروحة للنقاش في جروبات عامة، وخروجاتهم الترفيهية أو زيارتهم العائلية ليست مراقبة بأي تقنية من الممكن أن يفسدها المتطفلون.

فما قبل السوشيل ميديا يختلف بالتأكيد عما بعده. الفارق بين الهدوء والصخب، الاستمتاع والملل، التركيز والتشتت، السعادة والاكتئاب.

على عكس وقتنا الحاضر فقد أصبح استخدام مواقع التواصل الاجتماعي اليوم أكثر ما يفعله اغلب الشباب في يومهم، فهي جزء لا يتجزأ من حياتهم، الأمر الذي كان له تأثير واضح على سلوكياتهم والذي قد يكون تأثر إيجابي وقد يكون سلبي أيضاً.

فأما بالنسبة للتأثير الإيجابي لمواقع التواصل الاجتماعي على الشباب، فيتمثل في دور هذه المواقع المختلفة التي تتمثل ال FacebookوTwitter وInstagram وSnapchat  وغيرها من المواقع التي لها دور كبير في اظهار المواهب الجيدة لكثير من الشباب ممن يعانون من التهميش والتجاهل في حياتهم الواقعية ممن يعانون من مشاكل جسدية او عقلية، بالإضافة لدور هذه المواقع في تشكيل صداقات كثيرة وعديدة، والتعرف على ثقافات الآخرين، واشخاص من بلدان أخرى، ايضاً يتمثل الدور الإيجابي لهذه المواقع في حياتي الشباب، بتوفير فرص عمل لهم عبر الانترنت وفقاً لما يناسبهم، وإمكانية التعبير عن انفسهم بالطريقة التي يفضلونها، ولا يقتصر الأمر على هذه النقاط بل هناك العديد من الإيجابيات التي انطوت على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبالنظر للجانب المظلم لمواقع التواصل الاجتماعي، نرى الجانب السلبي منها والذي زاد بشكل كبير وفعلي في السنوات الأخيرة، في ظل الاستخدام المفرط لها، حيث أظهرت الدراسات وجود علاقة كبيرة بين الاستخدام الزائد والمستمر لمواقع التواصل الاجتماعي والاكتئاب، فهناك رابط كبير بين استخدام هذه المواقع المفرط مع الاكتئاب حيث يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهب للقتال الدائم والجدال او الهروب، الأمر الذي يزيد من  اضطرابات الحركة ونقص التركيز والاكتئاب والمعارضة الدائمة، بالإضافة لمحاولة تقليد ما يرونه على السوشيل ميديا سواء كانت أفكار تناسبهم ام لا او ما يمكننا تسميته بالتقليد الأعمى من أغاني وملبس وحتى المأكل والمشرب، والرغبة في السفر، والحصول على كل شيء، والذي قد لا يكون حقيقي وربما زائف، وقد يتعدى الامر لأن يتم النقاش بالمعتقدات الدينية والأفكار، فنجد كبار الشخصيات يناقشون في هذه الأمور بثقة تامة، غير آبهين بإمكانية رفضها من قبل البعض، ولكن نجد ان ذلك قد يؤثر على فكر من يتابعوه سواء كانوا يتبعوا معتقده ام لا، الأمر الذي يشكل جدلاً كبيراً وتأثيراً واضحاً على أفكار وآراء الشباب.

بل ولم يقف تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الشباب بل أثر على المجتمع ككل، فظهرت هذه الآثار جلية وواضحة حتى على العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، فعلى الرغم من ان لها تأثير إيجابي نوعاً ما مثل إيجاد وسيلة للتواصل بين افراد الاسرة المسافرين او المغتربين، ولكن التأثير السلبي كان له الدور الأكبر، حيث قللت وسائل التواصل الاجتماعي التواصل الحقيقي والفعلي بين أفراد الأسرة الواحدة في البيت الواحد، فسببت الانطوائية بين افراد الاسرة خاصة المراهقين منهم، وإدمان الانترنت فتجد ان بعض افراد الاسرة يستخدمون الانترنت ويتواصلون مع الآخرين أكثر مما يتواصلون مع افراد اسرتهم، بالإضافة لتدني المستوى الدراسي والفشل الدراسي نتيجة للاستخدام المفرط للإنترنت واهمال الدراسة، ولم يقف الأمر عند هذه السلبيات بل قد يتطور لان يجعل الافراد المفرطين في استخدام الانترنت ذو طباع وعادات سيئة بفعل ما يشاهدونه على الانترنت التي تكون احياناً بلا رقابة من الوالدين، ولا ننسى انه قد يؤثر بشكل كارثي على جميع افراد الاسرة فقد يكون كل من يستخدم الانترنت معرض لسرقة بياناته الخاصة والتي قد تعرضه للابتزاز الالكتروني والتهديد، ما قد يجره لفعل أمور سيئة خوفاً من النتائج في غياب التوجيه والرقابة الاسرية الصحيحة، حيث أثبتت الدراسات انه على الأقل 4 اسر من بين  6 يتعرض بعض افراداها للابتزاز الالكتروني.

بل حتى الأطفال لم يسلموا من تأثيرها حيث يعتبر الأطفال من الفئات الحساسة التي تتأثر بأي شيء من الممكن ان تراه او تسمعه، ففي هذه المرحلة تتم بلورة شخصيتهم وافكارهم وكل طباع حياتهم القادمة، لذا كان لابد من الاهتمام بها اهتمام شديد من قبل الأهل وكل من له دور في تكوين شخصية الطفل في هذه المرحلة مثل المدرسة، ولعل لمواقع التواصل الاجتماعي تأثير كبير عليهم فتارة يكون إيجابي وأخرى سلبي، حيث تتمثل الإيجابيات في استخدام السوشيل ميديا للطفل في حال تم مراقبته اثناء استخدامه لها فيما اما الجانب السلبي فربما يكون تأثيره اشد وأكبر على الطفل وسلوكياته وتشكل طريقة حياته خاصة أنه في مرحلة حرجة من حياته فلا يستطيع ان يميز الخير من الشر والجيد من السيئ، فيستطيع أي شخص ان يؤثر به، ويمكن ان يقلد أي شيء يراه او يسمعه دون ان يفهم اذا ما كان صحيح ام خاطئ، وقد يؤثر استخدام الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على إصابة الطفل بأمراض نفسية خطيرة، منها التوحد او الاكتئاب، او الانطوائية وغيرها من المشاكل التي قد يصعب علاجها لاحقاً وقد يكون استخدام الطفل للإنترنت مضراً فعلاً، فقد يدخل لمواقع سيئة وضارة تؤثر على أفكاره وسلوكياته التي تكون طور التشكل في هذه المرحلة.

يمكن القول إن زمن ثورة المعلوماتية والاتصال، في طريقه إلى خلخلة نظم إدراك الفضاء الإعلامي القديم الذي كان قبله، أسس لبنيات أو حالات عكست تحديات وطرحت أسئلة جديدة في إطار اللامتوقع، لأن التفاعلات التي توفرت عليها إمكانات ومساحات هائلة من الفضاء الافتراضي للسوشيل ميديا أصبحت اليوم (بالرغم من غياب أي تقييم نقدي رصين لنتائجها حتى الآن) تفاجئ مجتمعاتنا بمتغيرات كثيرة، إلى درجة يمكن أن نقول إنها أحدثت بلبلةً في فضاء الإعلام التقليدي.

ويحار المرء في الإمكانات الوفيرة التي وفرتها السوشيل ميديا بفروعها المتعددة على ذلك النحو الذي فتح تيسيرات متاحة للأفراد لممارسة هواياتهم – حتى الغريبة منها وغير المقبولة – لكن، أيضا، هناك ما جعل التعبير عن هوايات الأفراد متجاوزا حدوده المجانية بفضل فضاء تجارة الإنترنت – وهي تجارة عابرة للحدود بطريقة غير مسبوقة في التاريخ – الأمر الذي جعل من هواة كثيرين يعيدون التفكير في تعبيرهم الحر والعام عن هوايتهم من حيث اتصالها بالمتابعين على تلك الوسائط، حين عرفوا أن زيادة عدد المتابعين إذا بلغت حدا معينا تمنح صاحب المحتوى فرصة إعلان تجاري؛ مما لعب دورا كبيرا في إثارة حمى التنافس بين منتجي «المحتوى» المجاني في تلك الوسائط – كيفما كان ذلك المحتوى – لأن الشرط الذي تتوقعه دواعي الإعلان التجاري ليس هو جودة المحتوى، بل عدد المتابعين فقط، حيث إن الهدف هو زيادة عائد منتجاتها بوضع الإعلان في روابط سوشيال ميديا منتجي المحتوى بفروعها المتعددة.

هذه الظاهرة التي بدأت اليوم تأخذ وقتا عظيما من الأفراد في متابعة مقاطع الفيديو الصغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي فقد أصبحت ظاهرة مؤثرة، نظرا للوقت المقتطع -الذي لا يتجاوز عدة ثوان- لكن تكرار المقاطع بطريقة سريعة ومتعددة الوجهة والمحتوى سيجعل من المتصفح غارقا في دوامة لا متناهية من متابعة لمقاطع فيديو تمنحه التحكم في اختيارها، كما تضعه أمام مشاهد مثيرة للانتباه من المقاطع الصغيرة والمؤثرة بمختلف مؤثرات العواطف الإنسانية المتناقضة!

هذا الفضاء العالمي الذي صنعته فاعليات تكنولوجية جبارة أصبح من التحكم في حياتنا بمكان خوله وضع قواعد جديدة لنظم إدراك الفضاء الإعلامي، ومن أهم هذه القواعد؛ إفساح المجال للتواصل بأي محتوى، وتسهيل إنتاج ذلك المحتوى في ربطه بفضاء السوشيل ميديا والإنترنت من أي مكان.

إن التشويش والبلبلة والاضطراب وإمكانات فوضى المعايير في كل أوجه الحياة التي يمكن أن تحدثها ردود فعل غير محمودة العواقب في آثار التعرض لمحتويات السوشيل ميديا، في مجتمعاتنا هي جزء من ضريبة التخلف التي ستدفعها تلك المجتمعات، ما يعني أن فصولا من الحيرة والبلبلة ستضرب فضاءً افتراضيا عاما غير متحكمٍ فيه في تلك المجتمعات، ليس فقط تحرزا من أصوات الحرية (كما كانت تتحكم أنظمة العالم الثالث في فضائها العام من خلال الإعلام قبل ثورة المعلوماتية والاتصال) بل هذه المرة بسبب فائض حرية تعجز حتى تلك الوسائط – كمنصة فيسبوك – عن تحديد معاييرها، ما يضعنا أمام تساؤلات وتكهنات حيال مستقبل مجتمعاتنا في المدى القريب مع نتائج ثورة الديجتال!

ختاماً فإن تأثير السوشيل ميديا في حياتنا أصبح متشعب لأنها تدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية، حيث أنها تؤثر على المجتمع وأفراده، خاصة الأطفال والمراهقين والشباب، لذا فإنه يجب الانتباه لهذه التأثيرات ومحاولة التقليل منها بالحد من الإفراط في استخدامها، مع تعظيم الإيجابيات حتى تؤتي ثمارها

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop