مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الأمم المتحدة والحرب العالمية الثالثة

26/12/2023

أسست عصبة الأمم المتحدة عام 1919 على إثر مؤتمر باريس للسلام الذي أنهى الحرب العالمية الأولى، ليتحقق بعدها فلسفة جديدة للدبلوماسية شكلت نقلة نوعيّة في الفكر السياسي الدولي، وهي أول منظمة أمن دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمي.

ولست هنا بصدد البحث في تاريخ هذه المنظمة، بقدر ما سأعطي حقيقة إنهاء عملها بعد فشلها في منع الحرب العالمية الثانية.
فقد كشفت بداية الحرب العالمية الثانية فشل عصبة الأمم في تحقيق هدفها الأساسي، والذي كان ينص على تحقيق الأمن والسلم الدوليين، وتجنب أي حرب مستقبلية.
وقد كان هناك أسباب متعددة لهذا الإخفاق، من أهمها:
أولا: افتقاد العصبة لقوة مسلحة خاصة بها، قادرة على إحلال السلام العالمي الذي تدعو إليه، دون تحكم من أحد.
ثانيا: مشكلة عضوية الدول العظمى، وتعارض مصالح هذه الدول مع ما تقرّه العصبة من قرارات، فقد كانوا يرفضون التصديق عليها أو الخضوع لها والتجاوب معها، وغالبا ما قام بعضهم بتحدي قراراتها عنوة.
ثالثا: احتقار قرارات العصبة، فعلى سبيل المثال، اتهمت العصبة جنودا إيطاليين باستهداف وحدات من الصليب الأحمر أثناء الحرب الإيطالية الحبشية الثانية، فجاء رد رئيس الحكومة الإيطالية بينيتو موسوليني يقول: «إن العصبة لا تتصرف إلا عندما تسمع العصافير تصرخ من الألم، أما عندما ترى العقبان تسقط صريعة، فلا تحرك ساكنا».
رابعا: الاستهزاء بالعصبة وتحديها، واستخدام العنف المخالف لقراراتها؛ وكمثال على ذلك استهزاء ألمانيا بقرارات العصبة، واستخدام العنف تجاه جيرانها من الدول والأقليات، حيث عمدت ألمانيا عندما انتهت المدة المقررة من العصبة، والتي تسمح بإشراف خبراء العصبة على وضع الأقليات فيها إلى تجديد الألمان لقوانينهم التي تنص على ملاحقة اليهود، ورفضوا تجديد إقامة الخبراء في البلاد. وادعوا أن بعض البنود الواردة في ميثاق العصبة تنتهك سيادة بلادهم.
ونتيجة لهذا الوضع كان نشوب الحرب العالمية الثانية بمثابة البرهان الأكيد على فشل العصبة في مهامها.
وما إن انتهت الحرب حتى حُلّت العصبة، وخلفتها (هيئة الأمم المتحدة)، التي ورثت عددا من منظماتها ووكالاتها.
وتعمل هذه الهيئة منذ أسست عام 1945، وقد حدد ميثاق الأمم المتحدة الغاية من تأسيسها، بالمحافظة على السلم والأمن الدوليين، عن طريق اتخاذ تدابير جماعية فعالة لمنع وإزالة الأخطار التي تهدد السلام، وإلى تنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق، وتقرير المصير للشعوب، وتعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين.
وبقراءة متأنية لأعمال هذه المنظمة، تؤكد الوقائع أنها ما زالت تتعرض لما تعرضت له سابقتها (عصبة الأمم) من تحديات، من حيث تحكم الدول العظمى في قراراتها، والسيطرة عليها، ومن حيث إهمال هذه القرارات والاستهزاء بها، واحتقارها، وتحديها، ومن حيث افتقارها لقوة عسكرية متجردة خاصة بها.
والنتيجة التي يراها الجميع اليوم هي: زيادة عدد المشكلات الدولية، وتعميقها، وعدم حلها، وزيادة مدة وجودها، خصوصا في المنطقة العربية، مما يدل على تسلط الدول العظمى الأعضاء في الهيئة على قراراتها، والعمل على التحكم بهذه القرارات لخدمة مصالحها، يؤكد ذلك تنامي ظهور الجماعات والميليشيات المتطرفة وتزايد أعمالها الإرهابية وتحديها للأمن والسلم الدوليين.
وفي المقابل، صمت مثير للدهشة من هيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها العسكري، وكأن الأمر لا يعنيهم.
إن هيئة الأمم المتحدة تعاني اليوم من الظروف نفسها، والأسباب التي أفشلت عصبة الأمم وأسقطتها، وقد كانت العصبة تعاني من ضعف قامت على إثره الحرب العالمية الثانية، وأجزم أن هيئة الأمم المتحدة التي خلفت العصبة ستسقط بقيام الحرب العالمية الثالثة، نتيجة لفشلها المتفق عليه من الجميع، إن لم تتدارك هذا الفشل بتفعيل أنظمتها وقوانينها على أرض الواقع، وهي القوانين التي تنص على إحلال الأمن والسلم في العالم، ومنع وقوع الحروب المدمرة.
ومن الجدير بالذكر، التأكيد على أن هيئة الأمم المتحدة لا سلف لها إن اشتعلت الحرب العالمية الثالثة بسبب عجزها وفشلها، (فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين).

د. نمر السحيمي
@alsuhaimi_ksa
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop