مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

الإعلام.. من السلطة الرابعة إلى القوة الناعمة

كان الإعلام قديمًا، حين وُصف بالسلطة الرابعة، يقتصر في أغلب أدواره على نشر الأخبار ونقل الأحداث، وممارسة رقابة محدودة على السلطة من خلال الكلمة والصحيفة.

أما اليوم، فقد تجاوز الإعلام حدود النشر إلى الانتشار والتغلغل، ولم يعد ناقلًا للمعلومة فقط، بل أداة استراتيجية تستخدمها الدول في تشكيل الوعي، وإعادة صياغة المفاهيم، والتأثير على الشعوب دون ضجيج.

وبهذا الشكل، أصبح الإعلام وسيلة من وسائل الغزو الفكري، واحتلال العقول قبل احتلال الأرض، وهو ما نشهده اليوم في كثير من الصراعات الحديثة، حيث تُدار الحروب بالرواية قبل الرصاصة، وبالشاشة قبل الميدان.

لذلك، فإن الإعلام في صورته الجديدة لم يعد مجرد سلطة، بل قوة ناعمة خطيرة، قد تكون أشد تأثيرًا من أي سلطة أخرى. نحن اليوم نعيش عصراً تحوّل فيه الإعلام من سلطةٍ مُهابة إلى صديقٍ للجميع، وفي متناول الجميع.
فبعد أن كان الإعلام أشبه “بالمعلم قديمًا” الذي يمسك بالمسطرة، ويضرب بقوة، وكان له هيبته في القلوب والعقول، بل وكان من الصعب الوصول إليه أو الاقتراب منه، أصبح اليوم شبيهًا بمعلم هذا الزمن: قريبًا، مرنًا، يحاول كسب الجميع، بل ويخشى الجميع أيضًا.

لم يعد الإعلام وحده من يمتلك الأدوات، فوسائله باتت بين أيدي الجميع، وأصبح كل فرد مشروع إعلامي قائم بذاته.

الإعلام اليوم لا يُمارس الإقناع بالإجبار، بل يقترب من الفكر، ويخاطب الوعي، ويحاول التأثير بهدوء لا صدام فيه.
لم يعد مجرد ناقل خبر في صحيفة،
بل صار ناقل ثقافة مجتمع كاملة، يصوغ الذائقة، ويشكّل القيم، ويرسم الصورة الذهنية.

ومن هنا تحوّل الإعلام من رسالة فقط
إلى صناعة متكاملة، تجمع بين النقد والتأثير الناعم، وبين المعلومة والانطباع.
لم يفقد الإعلام قوته، لكنه غيّر سلاحه؛ من المواجهة المباشرة إلى التأثير الهادئ طويل المدى، مواكبًا تغيّر العصر، وتسارع التكنولوجيا، وتحوّل المتلقي من متلقٍ سلبي إلى باحث عن التأثير والمشاركة.

ومع ظهور المؤثرين والمنصات الرقمية، اتسع مفهوم الإعلام، وأصبح أكثر شمولًا، حتى غدا اليوم واجهة للدولة والمجتمع، وصورة تعكس الداخل إلى الخارج، وتعيد تشكيل الداخل من جديد.

الإعلام لم يعد سلطة تُخيف…
بل قوة تُقنع.

 

هيا الدوسري
‏@HAldossri30
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop