ما عُرف في السعودية “بـالصحوة” لم يكن حدثًا دينيًا خالصًا كما صُوِّر له، بل كان حركة فكرية -اجتماعية؛ تشكّلت في أواخر الستينيات والسبعينيات ونمت بقوة في بداية الثمانينات، نتيجة تداخل عوامل متعددة، بعضها داخلي مرتبط بواقع المجتمع، وبعضها خارجي جاء محمّلًا بأفكار جاهزة.
لم تكن الصحوة وليدة الدين بقدر ما كانت نتاج خلطٍ بين التدين والهوية السياسية، وبين الإيمان بوصفه قيمة روحية، والسلوك الاجتماعي بوصفه أداة ضبط وسيطرة.
في تلك المرحلة، كان المجتمع السعودي يشهد تحضرًا متسارعًا؛ عمران يتوسع، واقتصاد ينمو، وتعليم يتطور، لكن هذا التحول لم يواكبه خطاب ثقافي وفكري متزن يفسّر التغيرات ويحتويها.
ومع هذا الفراغ، تسلل خطاب ديني حركي يقدّم نفسه كحارس للهوية، ويختزل العالم في ثنائيات حادة: كل تحضر هو تغريب، كل فن انحلال، وكل انفتاح ضياع للهوية. وهكذا لم يُقدَّم الجديد بوصفه فرصة للفهم، بل خُوِّن قبل أن يُناقَش.
لم تحارب الصحوة التحضر بالقوة، بل بالخوف والذنب. حوربت الفنون والموسيقى والسينما والمسرح، لا لأنها تناقض الدين، بل لأنها تفتح مساحات للتعبير والوعي. حتى الفرح البسيط والنشاط الاجتماعي أصبحا موضع ريبة. وفي الوقت ذاته، شُيطنت المرأة العاملة، والاختلاط المنضبط، والتعليم الحديث، والسفر والانفتاح، وكأن المجتمع لا يُحمى إلا بتضييق مسارات الحياة.
الأخطر من ذلك أن التدين قُدِّم كحزمة سلوكية واحدة لا تقبل النقاش: إن خرجت عنها فأنت منحرف، وإن سألت فأنت مشكك، وإن ناقشت فأنت عدو. وهنا لم يعد الأمر وعيًا دينيًا، بل إلغاءً للعقل باسم الفضيلة، وتحويل الإيمان من تجربة إنسانية عميقة إلى نظام مراقبة اجتماعية.
أما تسميتها بـ«الصحوة»، فكانت خطوة ذكية وخطيرة في آن واحد. فالتسمية أوحت بأن المجتمع كان في غفلة، وأن من يعارض هذا الخطاب يعارض اليقظة ذاتها، بل الدين نفسه. بينما الحقيقة أن ما حدث لم يكن صحوة عقل ولا يقظة وعي، بل صحوة خوف، وصحوة وصاية، وصحوة تضييق على الحياة. لذلك فإن وصف هذه المرحلة بالتخلف ليس شتيمة، بل توصيف لنتائجها الحضارية: تعطيل الإبداع، تجفيف الفنون، تشويه صورة التدين، وخلق أجيال قلقة، خائفة، تعيش ازدواجية بين ما تُظهر وما تُخفي.
لم تنتهِ الصحوة بقرار مفاجئ، بل انهارت تدريجيًا عندما اصطدمت بالواقع. فشلت في تقديم نموذج إنساني متوازن، وعجزت عن مواكبة العالم أو حتى تفسيره. ومع مرور الوقت، بدأ المجتمع يستعيد وعيه، ويدرك أن الدين لا يعادي الجمال، وأن الإيمان لا يخاف السؤال، وأن التحضر لا يعني فقدان الهوية.
ما سُمّي بالصحوة لم يكن يقظة، بل مرحلة من الانكماش العقلي باسم الفضيلة. وحين عاد العقل إلى مكانه الطبيعي، سقط الخطاب… وبقي الدين.
أ. هيا الدوسري
@HAldossri30
عضو جمعية إعلاميون