هو نهجٌ ينتهجه البعض في حياتهم حتى وقتنا الحالي؛ يبرر فيه الإنسان لنفسه الكذب والخداع، وربما يصل الأمر إلى تخطي الحدود وتهميش المبادئ الأخلاقية والدينية والاجتماعية، وربما الإضرار بالآخرين.
فما هي غايتهم من ذلك؟ ولماذا وصلنا إلى هذا الحد من الانحدار في تعاملنا مع الواقع من حولنا؟
ما ضرّهم لو كان واقعهم بلا تزييف؟
ما ضرّهم لو بحثوا عن وسيلة أخرى تقي الغير من مضرتهم؟ فالوسائل كثيرة، ومتنوعة، ومتعددة، ومتاحة. ولكنهم اختاروا الوسيلة السهلة؛ مناسبة أم غير مناسبة لا يهم، فالغاية تبرر الوسيلة!
جاءت هذه الفلسفة أو الفكرة من رجل دولة وفيلسوف إيطالي في مدينة فلورنسا يُدعى نيكولو مكيافيلي، وُلد مكيافيلي عام 1469م لعائلة ثرية وبارزة في المجتمع، إلا أن والده برناردو كان مولعاً بالقراءة والكتب، ويمتلك مكتبة ضخمة، وكان الأفقر في تلك العائلة الثرية بسبب تراكم الديون. وحينما مات ورث نيكولو تلك الديون، ومرّ بمنعرجات ومنعطفات صعبة، وتقلد مناصب سياسية أبرزها مسؤولاً عن الشؤون الخارجية للجمهورية.
إلا أن دوام الحال من المحال، فسقطت تلك الجمهورية على يد جيش إسباني يعمل تحت إمرة البابا يوليوس الثاني، وزُجّ بمكيافيلي في السجن بتهمة التآمر، وتعرض للتعذيب ثم نُفي إلى جنوب البلاد. تفرغ هناك للكتابة، وكتب أعمالاً كثيرة، أهمها بحث (الأمير) الذي أهداه لحاكم البلاد آنذاك. تحوّل هذا البحث إلى كتاب تناول فيه ما يجب أن يتحلى به الحاكم، وكيف يستغل المواطنين مقابل الإبقاء على الحكم.
ليعتبر البعض أن مكيافيلي هو مؤسس السياسة الحديثة، وأن كتابه يعد مرجعاً مهماً للحكام. يرى مكيافيلي أن الحاكم الذي يعتمد على خوف المواطنين هو الحاكم الناجح، وأن الحاكم الذي يعتمد على عاطفة المواطنين سيخذلونه ويفشل، لأن الخوف ثابت، أما الحب فهو متغير.
ومن هنا أتى مفهوم (الغاية تبرر الوسيلة)، وأصبح هذا المصطلح مكيافيلياً بامتياز، ومن ينهج هذا النهج في حياته اليومية فهو مكيافيلي الهوى.
ولو نظرنا من حولنا لوجدنا أن البعض يتصف بهذا الوصف رغم أنه ليس بسياسياً، وينهج هذا النهج؛ فقد تجد هذا المكيافيلي في بيتك، في حارتك، في عملك، في دائرة صداقاتك، وأحياناً قد يكون من أقربائك.
قد ترتبط بزوجة ترى أنك خُلقت من أجلها، ومن أجل تحقيق أهدافها وأمنياتها وطموحاتها، وتأمين مستقبلها ولو كان على حساب نفسك. لا يضرّ بالنسبة لها، فهي تنظر إليك كوسيلة للوصول لغايتها. فلا يكفي عندها ضمان المستقبل الاجتماعي والاستقلالية والاستقرار، ولو تحدثت عن أهدافك وأمنياتك وطموحاتك لكنت زوجاً غير محب، فأنت ـ في نظرها ـ تفكر بنفسك ولا يهمك مستقبل الأسرة!
وفي العمل قد تصطدم بمدير أو مسؤول يطلب منك عملاً يفوق طاقتك، لا يهمه ما لديك من مشاكل، ولا يعترف بما يسمى بالاحتراق الوظيفي. فأنت الوسيلة بالنسبة له للوصول لغاياته من العمل، وهي الإنتاجية. لا يهمه أنت؛ فالعمل أهم منك، ولا يعترف بالفرد بل بالمنظومة كاملة، وفي قاموسه خسارة بعض أفراد المنظومة شيء وارد للنجاح، ولكن عدم الإنتاجية غير وارد أبداً. ولو تحدثت إليه لينظر فيما لديك، لظن للوهلة الأولى أنك تتهرب من عملك! فتجده يمارس عليك الضغط والتهديد والوعيد، فهو لا يهتم بمحبتك، بل يبحث عن خوفك، فهو المفتاح!
وعلى الصعيد الآخر، قد تجلس مع مكيافيلي الهوى، يتقمص دور شخص ظننته صديقاً، وبعد أن خدعك همس معللاً: لا عليك، فأنا صديقك! وكأنه صك غفران يسمح له بإلحاق الضرر بك.
والأمثلة كثيرة جداً من حولنا، فالمكيافيلية في نظري داء متفشٍ في مجتمعنا، وهي في حقيقة الأمر فلسفة سياسية بحتة لا تتعدى ذلك، لكن أخذها البعض وصاغها في اتجاه آخر.
ولو بحثنا عمّن كسر هذه القاعدة، وجعل الغاية لا تبرر الوسيلة في مجتمعنا، لوجدناهم قلة من أصحاب المبادئ الحقيقية والثابتة، بل والراسخة في نفوسهم. فهؤلاء دوماً تجدهم يبحثون عن ألف طريق للوصول لغايتهم، ويتجنبون الطريق الذي فيه ضرر لمن حولهم، بعكس غيرهم من المكيافيليين؛ فالطريق بالنسبة لهم واحد، حتى لو واجههم ضرر أحد ما، لشاهدتهم يلحقون به الضرر مكملين طريقهم، فهم لا يتكبدون عناء البحث عن طريق آخر، ففي مفهومهم الغاية تبرر الوسيلة!
وفي اعتقادي أن مكيافيلي بريء منهم براءة الذئب من دم يوسف.
فالغاية تبرر الوسيلة عندما تكون السياسة حاضرة؛ فالسياسة مجردة من المبادئ، تمضي بدبلوماسية مقنعة غير ثابتة ومتقلبة بحسب مصالح وطن وشعب وحاكم. فالسياسة تحكمها المصالح، ولا تعترف بالصداقات الثابتة، بل بصداقة من في صفي الآن، فتلك هي مصلحتي. والمبادئ في السياسة هي رداء جميل، ما إن تلبسه السياسة حتى تخلعه! فالحاكم يذهب مع مصلحة شعبه مهما كانت الوسيلة، حتى لو كانت حرباً وقتالاً وقصفاً للطرف الآخر وربما تدميره؛ فالغاية هنا أجازت له الوسائل.
أما في غير السياسة، فالغاية لا تبرر الوسيلة أبداً؛ فهناك طرق أخرى للوصول إلى الغاية، والمبادئ والأخلاق والقيم هي ما يجب أن تُرجّح كفتها، وتكون جسر الوصول في مجتمعنا.
بدر الصقيري
@WriterBader
عضو جمعية إعلاميون