مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

المسؤولية الاجتماعية.. حين يصبح العطاء استراتيجية

 

تعزز المسؤولية الاجتماعية اليوم مكانتها بوصفها أحد أهم المحركات الحديثة للتنمية المستدامة، إذ لم يعد دور المؤسسات يقتصر على تحقيق العوائد الاقتصادية، بل أصبح يمتد ليشمل الإسهام في بناء المجتمع وتعزيز جودة الحياة. وفي عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، باتت المؤسسات مطالبة بأن تؤدي دورًا أوسع يتجاوز حدود نشاطها الاقتصادي ليشمل دعم التنمية المجتمعية والاستدامة البيئية.

لقد شهد مفهوم المسؤولية الاجتماعية تحولًا كبيرًا خلال العقود الماضية. ففي السابق كان يُنظر إليها غالبًا باعتبارها مبادرات خيرية أو تبرعات تقدمها الشركات للمجتمع، أما اليوم فقد أصبحت جزءًا من الاستراتيجية المؤسسية للمؤسسات الكبرى، وأداة مهمة لتعزيز الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ولم يعد تقييم المؤسسات يعتمد فقط على أدائها المالي، بل أصبح يشمل مدى التزامها بالمسؤولية المجتمعية وحماية البيئة وتعزيز رفاه الإنسان.

وتشير التقارير الدولية إلى أن الاستثمارات المرتبطة بالاستدامة والمسؤولية الاجتماعية تجاوزت 30 تريليون دولار عالميًا، وهو ما يعكس التحول المتزايد لدى المستثمرين والمؤسسات نحو تبني ممارسات اقتصادية أكثر مسؤولية واستدامة. كما أصبحت معايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية أحد المؤشرات المهمة في تقييم أداء الشركات في الأسواق العالمية.

وتتجلى أهمية المسؤولية الاجتماعية كذلك في دورها المحوري في دعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة التي تمثل خارطة طريق عالمية لتحقيق التنمية الشاملة بحلول عام 2030. فهذه الأهداف، التي تشمل تحسين جودة التعليم والرعاية الصحية وتعزيز النمو الاقتصادي وحماية البيئة، لا يمكن تحقيقها من خلال الحكومات وحدها، بل تتطلب شراكة حقيقية بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي.

ومن خلال برامج المسؤولية الاجتماعية يمكن للمؤسسات أن تسهم بفاعلية في دعم التعليم والتدريب وتنمية رأس المال البشري، وتمكين الشباب وتعزيز فرص العمل وريادة الأعمال، إضافة إلى دعم المبادرات البيئية والتنموية في المجتمعات المحلية. كما تسهم هذه البرامج في تعزيز ثقافة التطوع والعمل المجتمعي، وهو ما يشكل ركيزة أساسية في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا.

ويأتي الاحتفاء بـ اليوم السعودي للمسؤولية الاجتماعية ليجسد هذا التوجه الوطني ويؤكد أهمية ترسيخ ثقافة العطاء المؤسسي والشراكة التنموية بين مختلف القطاعات. فاعتماد هذا اليوم يعكس إدراك المملكة لأهمية المسؤولية الاجتماعية بوصفها أحد الأدوات الفاعلة في دعم التنمية الوطنية وتعزيز قيم التكافل والتعاون التي يتميز بها المجتمع السعودي.

وفي المملكة العربية السعودية شهدت المسؤولية الاجتماعية تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة برؤية المملكة 2030 التي أكدت أهمية الشراكة بين القطاعات الثلاثة: الحكومي والخاص وغير الربحي. فالرؤية الوطنية تسعى إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، وهي أهداف لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تكامل الجهود بين مختلف مكونات المجتمع.

وقد انعكس هذا التوجه في تنامي المبادرات المجتمعية وبرامج التطوع في المملكة، حيث تجاوز عدد المتطوعين 1.2 مليون متطوع في وقت مبكر من مسيرة الرؤية، متجاوزًا المستهدف الوطني قبل موعده بعدة سنوات. كما تسعى المملكة إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5% بحلول عام 2030، وهو ما يعكس التوجه الاستراتيجي نحو تعزيز دور المجتمع في دعم التنمية الوطنية.

كما أن التحول الرقمي الذي تشهده المملكة أتاح فرصًا جديدة لتعزيز كفاءة برامج المسؤولية الاجتماعية، حيث أصبح بالإمكان توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليل احتياجات المجتمع وتصميم مبادرات أكثر تأثيرًا واستدامة. كما تسهم الأدوات الرقمية في تعزيز الشفافية وتمكين المؤسسات من قياس الأثر الاجتماعي للمبادرات التنموية بصورة أكثر دقة.

إن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز مأسسة المسؤولية الاجتماعية داخل المؤسسات وتحويلها إلى جزء أصيل من استراتيجياتها المؤسسية، بما يضمن تحقيق أثر تنموي مستدام. كما يتطلب الأمر تعزيز الشراكات بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، إضافة إلى دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها.

إن الاحتفاء باليوم السعودي للمسؤولية الاجتماعية يمثل فرصة مهمة للتأكيد على أن التنمية المستدامة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين الدولة والمؤسسات والأفراد. فالمجتمعات المتقدمة لا تُبنى بالسياسات الاقتصادية وحدها، بل بثقافة مجتمعية تؤمن بأهمية المشاركة في بناء المستقبل.

إن المسؤولية الاجتماعية في جوهرها ليست مجرد برامج أو مبادرات، بل هي تعبير عن وعي المؤسسات بمسؤوليتها تجاه المجتمع، وإيمانها بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان وينتهي بازدهار الوطن واستدامة تنميته.

 

د. عايض القحطاني
@Ayedhaa
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop