لم تعد الهويَّة الوطنيَّة في العصر الرقميِّ مفهومًا ثابتًا، يُعرَّف عبر الرموز فقط، بل تحوَّلت إلى خطابٍ حيٍّ يتشكَّل يوميًّا عبر المنصَّات الرقميَّة، ويتفاعل مع العالم بلغته وأدواته. وفي هذا السياق، قدَّمت الهويَّة السعوديَّة نموذجًا لافتًا في كيفيَّة الانتقال من المحليَّة إلى العالميَّة من دون التفريط في الجذور وأصولها الرَّاسخة وخصوصيَّتها الدينيَّة والمجتمعيَّة.
المنصَّات الرقميَّة لم تكن مجرَّد وسيلة عرض، بل مساحة لإعادة تعريف الذَّات. فمن خلالها، خرجت الهويَّة السعوديَّة من الإطار الرسميِّ، إلى الفضاء الإنسانيِّ، حيث باتت تُروَى عبر القصص اليوميَّة، والمَشَاهد الثقافيَّة، والممارسات الاجتماعيَّة التي عكست عمق التاريخ، وتنوُّع المجتمع، وحيويَّة التحوُّل. هذا الحضور أسهم في بناء صورة أكثر توازنًا وواقعيَّةً عن المملكة، قائمة على التعدُّد، والانفتاح الواعي، والاعتزاز بالخصوصيَّة.
ويأتي هذا التحوُّل متَّسقًا مع الرُّؤية الفكريَّة التي أكَّد عليها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في أكثر من مناسبة، حين أشار إلى أنَّ الهويَّة السعوديَّة راسخة في تاريخها وقيمها، وقادرة في الوقت ذاته على التفاعل مع العصر، وبناء مستقبلها بثقة. وقد وجدت هذه الرُّؤية صداها العملي في الفضاء الرقميِّ، حيث تحوَّل المواطنُ إلى فاعلٍ ثقافيٍّ، لا ناقلًا فقط، يعبِّر عن هويَّته بوعي ومسؤوليَّة.
كما أسهمت المبادرات الرقميَّة والمؤسساتيَّة في تأطير هذا الحضور ضمن خطاب مهنيٍّ يعكسُ التحوُّلات الوطنيَّة الكُبْرى، ويربط الهويَّة السعوديَّة بقِيم العمل، والابتكار، والحوار مع الآخر. وبهذا، لم تعد المنصَّات الرقميَّة تهديدًا للهويَّة، بل أداة لتعميقها وإيصالها إلى العالم بصوتها الحقيقيِّ.
إنَّ الهويَّة السعوديَّة في زمن المنصَّات الرقميَّة لم تتغيَّر، لكنَّها أصبحت أكثر قدرةً على التَّعبير عن نفسها. هويَّة تعرف من أين جاءت، وتدرك تمامًا إلى أين تمضي، وتختار أنْ تحكي قصَّتها للعالم بثقةٍ ووضوحٍ.
د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون