مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

بحر التطوع وروافده

10/12/2022

أصبح التطوع في الآونة الأخيرة حديث الأغلبية ، وانشغل به وباحتسابه الموظفون والطلبة ، وبإشراف من جهات خاصة وبشأنه معنيَّة ، مما جعلنا نشعر بأنه إجباراً وليس اختياراً ، وواجب علينا ومن عملنا متفرع ، وليس عمل خير يختاره من يريد أن يتطوع ، ولا سيما وأنه أصبح مطلوباً بساعات محددة لكل فئة ، وارتبط بإكمالها مصير الشخص في عمله ، والطالب في تخرجه من مرحلته ، وبات هناك من يطالبنا بها ، ويرصدها لنا ، ويحتسبها ويضيفها ، ويراقبنا في تنفيذها .
فأي تطوع هذا ؟؟!! ، وما معنى التطوع بتلك الصورة ؟؟!!
أليس التطوع قائماً على رغبة الفرد في عمل خير ، أو تقديم خدمة لمن يحتاجها ، حسب تقديره ، وبناء على اختياره وشعوره ، ومرتبطة بطاقته وقدرته واستعداده ، وأليس من الأفضل لو كان هذا العمل خالصاً لوجه الله لا يُدفع له المرء دفعاً ، كما أنه لا يُدْفع له عليه أجراً ، وأليس من الأجمل لو خفيت تلك الأعمال عن الناس حتى لا تفقد صدقها ، ولا تضعف قيمتها ، ولا تختلط بشبهة الرياء ، ولا تصبح مجالاً للمفاضلة ، فيتباهى بها الأغنياء ، ونُرهِقُ بها الفقراء ، ونجبر عليها من يستطيع ومن لا يستطيع ، ونكلف بها من لا يطيقها بتكليفه ما لا يطاق ، وكأننا بها في سباق ، فهي الصدقة في مفهومها ، ومثلها في ميزانها ومضمونها ، ومرهونة بالاستطاعة وإن بَسُطت ، ومحكومة بالنية وإن نَدُرت ، وخير الصدقة عند الله ما خفيت ، وأعظمها ما خَلُصَت لوجه الله وإن قَلَّت ، فمن يقدمها لا يهتم لمن علم فيها غير الله ، ولا يحرص على احتساب وقته الذي أمضاه فيها ، أو المال الذي أنفقه عليها ، فهي لله وليست لسواه .
أما التطوع الذي نتعامل معه اليوم مختلف تماماً عن المقصود ، وبعيد كل البعد عن الأجر الموعود ، والهدف المنشود ، وهو وإن كان الإلزام به قائماً على حُسن النوايا ، والغرض من فرضه غرسه في قلوب الناس وتعويدهم عليه ، وتعريف الناشئة به ، إلا أن الإجبار عليه يُنَفِّرَهُم منه أكثر مما يرغبهم فيه ، ويُبْعِدَهُم عنه أكثر مما يُقَرِبَهُم إليه ، ويُفْقِدَهُمْ أجره بتذمرهم منه ، أكثر مما ينفعهم به إن هم فعلاً قاموا به .
فطالما أنهم قاموا به حرصاً على احتساب ساعاته ، وخوفاً من فقد امتيازاته ، ورغبةً في إتمام متطلباته ، بحيث لا تتأثر به للشخص حياته ، ولا تتعطل مصلحته ، أو تتوقف ترقياته ، أو تَقِّلُ عند المسؤولين عنه درجاته ، فهو بذلك لم يعد تطوعاً ، بل فرضاً واجباً وإن اختلفت مسمياته ، لأنهم بمجرد أن يتموا ما هو مطلوب منهم سيتوقفوا عن تقديمه ، ويبتعدوا عن فرصه ، ويهملوا استمراره ، ويفقد كل شخص ما كان من حرصه ، فقد تحقق له المراد ، فلم نعد نرى حرصه على ما تحقق أو ما يستفاد … .
حسنت النية ، وساءت الوسيلة ، و زادت النتائج وكثرت الساعات ، ولكننا فقدنا الإخلاص فيها واختلطت بالشبهات ، وإن كان البعض منا أدرك قيمتها فعلاً وسيستمر عليها حرصاً على الأجر لمن يرغب باغتنام الفرص وإن انتهى من جمع ساعاته المطلوبة ، إلا أن الأغلبية ستختلف نظرتهم ، وتتوقف بادرتهم ، ويكفوا أيديهم ، فلم يكن الأجر بغيتهم ، ولا المنفعة غايتهم ، بل الساعات مطلبهم ، والذي بمجرد أن يتحقق ستنتهي بالمنصة علاقتهم ، وبالبادرة ستنقطع رابطتهم .
فليت الأمر كان ترغيباً لا ترهيبا ، وليته كان تحفيزاً لا تعجيزا ، وليته ظل حرصاً على الأجر والإخفاء ، واكتفوا بالنصح والإرشاد ، لأنهم بتلك الطريقة غيروا نظرتنا للآية ومفهومها ، ” ومن تطوع خيراً فهو خير له ” فبعد أن كنا نراها ترغيباً بالتطوع حرصاً على الأجر الممنوح من الله ، والذي إن خفي عن الناس لن يخفى عليه ، أجراً نجنيه مضاعفاً يوم الحساب ، ويدخلنا الجنة ، ويجنبنا العذاب ، أصبحنا بمفهوم التطوع الإجباري اليوم نراها تهديداً ووعيدا ، ” فمن تطوع خيراً فهو خير له ” ، سترصد له الساعات ، ويضمن الدرجات ، و يجنبه التأنيب والتوبيخ من المراقب عليه ، وقد نتعطل بسببه في تحقيق الأمنيات .
فأي قصر بالجنة سأبنيه وقد فُرِضت عليَّ حُجُراته ، وأي سُلَّم بالخير سأرتقيه وقد حُسِبَت عليَّ درجاته ، وأي طريق بالعطاء سأمشيه وقد عُدَّت عليَّ خطواته ، وأي أجر من فعلي سأجنيه وقد علم الجميع بأدق تفاصيله وأصغر حيثياته .
فالتطوع بحر زاخر مليء بالفرص والأعطيات ، ويفيض بالمنح و الدرجات ، وتصب به الكثير من الروافد الغنية بالأجور السخية ، سقيا وتشجير ، تعليم وتسخير ، طب وتأهيل ، تدريب وتطوير ، لا يفرق بين صغير أو كبير ، وبين مالك أو أجير ، يحمل الجميع بعفوية دون تقصير ، ويجوب بهم أرجاءه دون تحضير ، وينقلهم بتلقائية دون تفكير .
ولكننا لا نستطيع أن نجبر شخصاً على أن يبحر فيه إن لم يكن راغباً بتلك الرحلة ، ولا يتقن الغوص فيه إلا من ألّم بحدوده ، والتزم بقيوده ، ولن نجني منه إلا ما أحسنّا صيده ، وبحثنا عنه بأيدينا ، وحزناه بجهودنا ، وجنيناه برغبتنا ، عندها فقط سنشعر بطعمه ، ونستلذ بصيده ، ويهنأ ويفخر كل شخص بجني يده .
رَغِبُونا به ، ولا تُجْبِرُونا عليه ، عَرِفونا عليه واتركونا حسب قدراتنا وبطريقتنا نبحر فيه ، اطرحوا الفرص أمامنا وامنحونا حق القرار ، ودعوا لنا الاختيار ، فإن فعلنا وعرفتم فكافؤونا وافخروا بنا ، وإن لم نفعل فلا شأن لكم بنا ، ولا يد لكم علينا ، واتركوا الأمر على أصله ، وبيد الله قراره وفصله ، وقبوله ورفضه ، وهو الذي يجازي به حسب نية صاحبه ، وإخلاصه في فعله ، وجميل صنعه ، وكريم أصله ، فربما نستغل من الفرص أكثر مما طرحتم ، ونقدم ضعف ما طلبتم ، ونحقق من النتائج زيادة على ما توقعتم ، فالخير باقٍ فينا – أمة محمد – ما دمنا نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وهو مستمر حتى نلقى الله ، وكل همنا في فعله قبوله ورضاه ، ولا نفكر بعدها في عدد الساعات ، ولا صحة الاحتسابات ، ولا نتسابق لإرضائكم على اغتنام الفرص ، ولا يزعجنا بسببكم ضياعها ، فهي منا خالصة لوجه الله ، ومن الأفضل ألا يعلم بها إلّاه …

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop