مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

..جامعة الرياض للفنون.. الثقافة تصنع المستقبل

في مسار التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، لم يعد الحديث عن الثقافة نشاطاً هامشياً، بل أصبح أحد الأعمدة الجوهرية في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. ومع تسارع الخطى نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، برزت الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين التعليم والثقافة، وبين المعرفة والإبداع، وهو ما يجعل من مشروع تأسيس “جامعة الرياض للفنون” محطة مفصلية في تاريخ التنمية الثقافية الوطنية.

قبل سنوات قليلة، كان المشهد التعليمي في المملكة يتسم بمحدودية واضحة في التخصصات، خصوصًا في المجالات الإبداعية والفنية. كانت الخيارات أمام خريجي المرحلة الثانوية تقليدية إلى حد كبير؛ تخصصات في اللغة العربية، والجغرافيا، والتاريخ، واللغة الإنجليزية، وغيرها من المسارات التي على أهميتها لم تكن تلبي طموحات شريحة واسعة من الشباب الذين يتطلعون إلى مجالات أكثر ارتباطًا بالإبداع والفنون. وكان السؤال الذي يؤرق كل طالب: إلى أين أتجه؟ وأين أجد ذاتي؟ وكيف أبني مستقبلي في مجال يعبر عن شغفي؟

الواقع بدأ يتغير بشكل جذري مع انطلاق رؤية المملكة 2030، التي وضعت الثقافة في قلب مشروعها التنموي، كرافعة أساسية لبناء مجتمع حيوي ومزدهر. ومع تأسيس وزارة الثقافة، وما تبعها من إنشاء هيئات متخصصة تعنى بالموسيقى، والأدب، والمكتبات، والأزياء، وفنون الطهي، والمسرح، والتراث، وغيرها، أصبح واضحًا أن المملكة تتجه نحو بناء منظومة ثقافية متكاملة، تؤمن بأن الإبداع جزء لا يتجزأ من التنمية الشاملة.
الرؤية أعادت صياغة العلاقة بين الثقافة والتنمية، بحيث لا تكون الأولى ظلًا للثانية، إنما شرطًا من شروط تحققها. فالثقافة بالمنظور الواسع هي ما نصوغه من أنماط حياة، وما نبنيه من وعي، وما نرسخه من قيم قادرة على الاستمرار والتجدد وليس فقط ما ننتجه من فنون و آداب. وهنا يتجلى التحول من ثقافة تُروى، إلى ثقافة تُستثمر ومن معنى يُحفظ، إلى معنى يُنتج ويُعاد إنتاجه في سياق متغير ويُصدّر.

وجاء مؤتمر الاستثمار الثقافي الذي عُقد عام 2025 ليؤكد هذا التوجه، حيث جمع نخبة من صناع القرار، والتنفيذيين، والمبدعين، والمستثمرين من داخل المملكة وخارجها. و الذي جاء كإعلان واضح عن دخول المملكة مرحلة جديدة، تُعامل فيها الثقافة كقطاع استثماري حيوي، قادر على خلق فرص عمل، وتحفيز الابتكار، وتعزيز القوة الناعمة للدولة.
ما أعلنه المؤتمر هو انتقال المملكة إلى طورٍ جديد، تُقرأ فيه الثقافة بوصفها قيمة مادية، دون أن يفقد جوهره الإبداعي. هذا التحول يعيد ترتيب العلاقة بين مختلف الفنون والسوق في صيغة لا تُقصي أحدهما لصالح الآخر و إنما تبني من خلاله معنى الابتكار الحقيقي.

من هنا يمكن قراءة مشروع تأسيس “جامعة الرياض للفنون” بوصفه الإمتداد الطبيعي لهذا الحراك الثقافي. فهذه الجامعة تجسد رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء جيل متخصص بالفنون المختلفة، جيل يمتلك أدوات المعرفة الفنية و مدرك في ذات الوقت بتقاليد بلده وثقافته وقادر على التعبير عنها بلغة عالمية.

وبينما كان السؤال في الماضي: أين أذهب؟أصبح السؤال اليوم:ماذا سأبدع؟ هذا التحول في طبيعة السؤال يبّين التحول من البحث عن الفرص إلى صناعة الفرص، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.
‎وفي ظل رؤية 2030، فإن المملكة تمضي بخطى واثقة نحو بناء اقتصاد متنوع، ومجتمع مبدع، وهوية ثقافية متجددة، تجعل من الفن لغة مشتركة، ومن الثقافة جسرًا يربط بين الماضي والمستقبل…

 

فيّ العتيبي
Fay_m_otb
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop