مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حالنا ما بين التجديد و التقليد

25/11/2022

يميل البشر عادة إلى حب التميز ، ويرغبون- بالفطرة – بالابتكار والتجديد ، وكل شخص يسعى لأن يكون مختلفاً عن الآخرين في أسلوبه وتفكيره ، مضمونا وجوهرا ، وفي شكله وهندامه شكلا ومظهرا ، ويحاول بكل ما تتاح له من الفرص أن يحقق هذا التميز ، ويحظى بذاك الإنفراد .
فهو وإن حصل له ؛ أشعره بشيء من الثقة ، وأمدَّه بقدر من القوة ، يظهر أثرها على شكل رغبة في الظهور ، وتجعله يطرب لسماع كلمات الثناء عليه من الآخرين ، وترغب عينه برؤية نظرات الإعجاب في أعين من حوله ، وحرص الناس على تتبعه ومراقبته ، حتى تصبح تلك الكلمات ، وهذه النظرات زاده ووقوده ، ويوما بعد يوم إلى الغرور تقوده ، وشيئا فشيئا تنفر الآخرين منه ، وتبعدهم عنه ، حتى يكرهوا وجوده ، ويجعلوه يتجاوز معهم حدوده .
فقد تحولت نظرات الإعجاب تلك مع الأيام إلى نظرات ازدراء ، وكلمات الإطراء والثناء إلى انتقاد وهجاء ، فهو لم يحسن استغلال هذا التميز ، ولم يكن جديرا به ، فانقلب ضدَّه ، عندما تجاوز حدَّه ،حتى خبا ضوءه ، ووهن عوده ، وانهار بناؤه ، وضاع صموده ، وتشوهت صورته ، فلم يعد أحدا يطيقه ، إذ فقد بأعينهم بريقه . وفي المقابل نجد أشخاصاً ضعفت عزيمتهم ، وقلَّت حيلتهم ، ولم تكن ثقتهم بأنفسهم كافية ليبرزوا ، ويتميزوا ، فاكتفوا بأن يكونوا لغيرهم مقلدين ، وعلى نهج من حولهم سائرين ، يرددون أقوالهم ، ويرفعون شعاراتهم ، ويكررون كلماتهم ، ويقلدون حركاتهم ، وينفذون أوامرهم ، وكأنهم صدىً لأصواتهم ، وظلا لخيالاتهم ، فلا رأي لهم ليفرضوه ، ولا فكرة تخصهم ليطرحوها ، ولا هدفاً وضعوه لأنفسهم فيحققوه ، فأفعالهم مرهونة برغبات الآخرين ، وأقوالهم ناتجة عن أفكار المسيطرين ، وهم سيظلوا على هامش الحياة باقين .
وجودهم كعدمه ، ولا يعرف أحدهم أين يخطو بقدمه ، ولا يحرص على الإحساس بنجاحه ، لا يهتم بفشله ، ولم يعرف طعم ندمه .
فهم أعداد محسوبة علينا ، وبهم وبسلبيتهم نحن ابتلينا .
فلا الحريص على الابتكار والتجديد سعيد ، ولا المائل للتقليد مفيد ، وكلهم أساء لنفسه قبل أن يسيء للآخرين .
ونحن بين الطريقتين في صراع وطيد ، وانقسمنا ما بين مُسلّمٌ لها وعنيد ، كزجاج يهدد بالحديد ، ومعهم دوما لا جديد .
وحتى نحرر أنفسنا من تلك القيود ، علينا أن نكون وسطا ، فإن قلَّدنا الآخرين نعترف بفضلهم دون جحود ، وأن يكون لتقليدنا لهم حدود ، فلا نتقمص شخصيتهم ونلغي شخصيتنا من الوجود ، كمن يقتل نفسه وبيده إلى نهايتها يقود .
وإن جدَّدنا وابتكرنا وتميزنا ، علينا أن نُقَدِّر لأنفسنا تلك الجهود ، ونفرح إن كان لتميزنا على الآخرين أي مردود ، فيكون سببا في إسعادهم ونفعهم ، دون أن يغير من نظرتهم لنا أو يقلل من مكانتنا لديهم ، فيتحول محبهم إلى حسود ، وطيبهم إلى حقود .
فكل تجديد يرفع شأن صاحبه يعتبر إضافة ، فإن رفع من شأن الآخرين صار إنجازا ، وكل تقليد لهم في إيجابياتهم مفيد ، ولكنه إن قتل همة صاحبه ودفن قدراته صار لوقته تبديد ، ودينا عليه وليس بوسعه التسديد .
فراعوا أنفسكم ، واحفظوا ماء وجوهكم ، وكونوا أنتم ، وتقبلوا أنفسكم كما هي ، فإن أعجبتكم فأكرموها ، وإن خذلتكم فأصلحوها ، وراعوا الله في أفعالكم وراعوا غيركم كما عليكم أيضا أن تراعوها .

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop