في اليوم الـ71 من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (التي بدأت في 28 فبراير 2026 باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي)، يظل مضيق هرمز الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ساحةَ المواجهة الرئيسية.
وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الهش منذ أبريل، شهد الأسبوع الماضي اشتباكات بحرية مباشرة بين القوات الأمريكية والإيرانية، مع تبادل اتهامات بانتهاك الهدنة، بينما يعكس الواقع الميداني تصعيداً محدوداً وهدوءاً نسبياً.
أغلقت إيران المضيق انتقاماً بعد الضربات الأولى، مما أدى إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن، واحتجاز عشرات الآلاف من البحارة، وارتفاع أسعار النفط.
ونفذت الولايات المتحدة عملية لمرافقة السفن، ثم أوقفها ترامب مؤقتاً بناءً على طلب باكستان، مع الإشارة إلى تقدم دبلوماسي.
وفي 7-8 مايو، وقع تبادل لإطلاق النار قرب المضيق، شمل ضربات أمريكية استهدفت ناقلتي نفط إيرانيتين ومواقع في بندر عباس وقشم، ورداً إيرانياً بصواريخ وطائرات مسيّرة. إلا أن الهدوء عاد سريعاً، وأكد ترامب أن الهدنة لا تزال قائمة، واصفاً الضربات بأنها «لمسة الحبيبة».
خسرت إيران جزءاً كبيراً من قدراتها البحرية والدفاعية، لكنها لا تزال قادرة على الإزعاج عبر الألغام والزوارق السريعة والمسيّرات.
وتدور المفاوضات غير المباشرة، عبر باكستان، حول مذكرة قصيرة تشمل:
* إنهاء الحرب رسمياً.
* إعادة فتح المضيق.
* رفع جزئي للعقوبات وإطلاق أصول مجمدة.
* تأجيل الملف النووي إلى جولة لاحقة.
لكن ترامب يصر على أن إيران تريد الصفقة أكثر منه، بينما تطالب طهران بضمانات أمنية، وتعويضات، واعتراف بسيادتها على المضيق، أو على الأقل فرض قواعد عبور جديدة.
السؤال: هل انتهت الورقة الإيرانية؟
نعم، جزئياً؛ إذ تعرضت البنية التحتية العسكرية والنووية لتدمير كبير، كما تواجه إيران عزلة إقليمية نسبية، رغم الدعم المحدود من بعض الدول، إضافة إلى ضغط اقتصادي خانق، مع تهديد حقول النفط بالتوقف طويل الأمد.
لكن إيران أثبتت قدرتها على تعطيل التجارة العالمية، مما أجبر الولايات المتحدة على التراجع عن التصعيد الكامل. لذلك، حوّلت المضيق إلى أداة ضغط دائمة، حتى وإن كانت تكلفتها باهظة عليها. كما أن حلفاء إيران ما زالوا نشطين، والحرب في لبنان مستمرة.
ويبدو أن هناك بداية لتوازن إقليمي جديد؛ فالمنطقة تتجه نحو مرحلة مختلفة، بعدما نجحت أمريكا وإسرائيل في إضعاف إيران عسكرياً، لكنهما فشلتا في تغيير النظام أو إخضاعه بالكامل.
الخليج يسعى إلى التهدئة، فيما تؤكد مصر والدول العربية تضامناً أمنياً مع دول الخليج. كما تلعب الصين وروسيا وباكستان دور الوسطاء، مما يقلل من الهيمنة الأمريكية الأحادية.
أما النتيجة المحتملة، فهي التوصل إلى اتفاق مؤقت يعيد فتح هرمز مقابل تنازلات محدودة، يعقبه مسار تفاوضي طويل بشأن الملف النووي والصواريخ. فإيران لن تعود كما كانت، لكنها أيضاً لن تخرج مهزومة بالكامل. كذلك، لن يعود المضيق محايداً كما كان قبل فبراير 2026، إذ ستُفرض قواعد جديدة، وربما يتعزز الوجود الدولي لضمان أمن الملاحة.
لم تنتهِ الورقة الإيرانية بعد، لكنها تحولت من ورقة قوة هجومية إلى ورقة استنزاف دفاعية، مع استمرار قدرتها على فرض شروط على طاولة المفاوضات. وهكذا يدخل الشرق الأوسط مرحلة من التوازن الهش؛ إيران فيها أضعف، والمشهد أكثر تعقيداً للجميع، فيما يدفع الاقتصاد العالمي ثمناً أكبر.
الأيام المقبلة ستحدد ما إذا كانت «اللمسة الحبيبة» مقدمة لسلام، أم مجرد استراحة بين جولات القتال.
د. سعود عقل
@AlshrkhAlolah
عضو جمعية إعلاميون