في أمسيةٍ ثقافيةٍ مفعمة بالمعنى، نظمها نادي ثقات الثقافي، وجمعت نخبة من المهتمين بالفكر والحوار، كنتُ حاضراً كمحاور، أتابع تفاصيل اللقاء وأُنصت لما وراء الكلمات، خصوصاً مع ضيف الأمسية الأستاذ عاتق الشريف، الذي أدار الحديث بعمقٍ وهدوء يعكس تجربة وإنساناً قبل أي توصيف آخر.
وخلال تلك الأمسية، جاءت مداخلة الأمير عبدالعزيز بن فيصل بن عبدالمجيد مختلفة في وقعها، ليس لقيمتها الفكرية فحسب، بل لما حملته في داخلي من استدعاءٍ صادق للذاكرة.
حين سمعت صوته، لم أسمعه مجرد مداخلة، بل سمعت زمناً كاملاً يعود إلى زمن الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، أمير المدينة المنورة في مرحلةٍ تركت في وجداني أثراً لا يزول.
عاد إلى ذاكرتي وجه المدينة في عهده؛ مدينة تُدار بالحكمة قبل القرار، وبالعدل قبل الإجراء، وبالإنسان قبل كل شيء. كان حضوره مهيباً بلا استعراض، ووقاره عميقاً بلا مسافة، وهيبته نابعة من الاتزان لا من السلطة. قائدٌ فهم قدسية المكان، فأحسن خدمته، وصان مكانته، وجعل من القيادة طمأنينة لا ضجيجاً.
ولا أنسى – بعد فضل الله – أثر تلك المرحلة في مساري الشخصي؛ كيف كان لعهد الأمير عبدالمجيد دورٌ في استقراري بالمدينة المنورة، وكأن البقاء فيها لم يكن مجرد قرارٍ وظيفي، بل نعمة كريمة في ظل قيادة عادلة تشعر معها أن الإنسان حاضر في قلب القرار.
ثم انتقل – رحمه الله – إلى مكة المكرمة، فاتسعت المسؤولية وبقي الجوهر واحداً؛ قيادة متزنة، وإنسان قريب، وأثر يُصنع بهدوء.
مدينتان عظيمتان، خدمهما بفهم عميق لا باستعراض، وبقيت سيرته فيهما ذاكرةً حيّة تُروى بإجلال. ومن الوفاء أن نُشيد بمن تعاقبوا بعده من أصحاب السمو الملكي أمراء المدينة المنورة، الذين واصلوا المسيرة، وحافظوا على روح المكان، وخدموا الإنسان، واستكملوا التنمية دون إخلال بقدسية المدينة ومكانتها في قلوب المسلمين. تعاقبت القيادات، وبقيت المدينة في أيدٍ أمينة.
هذا المقال ليس حنيناً ،ولا ثناءً تقليدياً
بل شهادة وفاء خرجت من لحظة صدق في أمسيةٍ ثقافية راقية، لحظةٍ أيقظ فيها صوت حفيدٍ ذكرى جدّ،
واستحضرت فيها المدينة رجالها الذين خدموها بإخلاص. رحم الله الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز، وحفظ الله المدينة المنورة بقيادتها،
وأدام على هذا الوطن نعمة القادة الذين يصنعون الأثر… بهدوء.
د. عبدالعزيز العروي
@ABDULAZIZALERWI
عضو جمعية إعلاميون