التوجه نحو تخصّص الجامعات لم يعد خيارًا تجميليًا، بل ضرورة تفرضها المرحلة.
لم يعد يُقاس نجاح الجامعات بعدد كلياتها أو طلابها أو تاريخها، بل بمخرجاتها، وبمدى مواءمتها لسوق العمل، وقدرتها على خدمة الوطن والمجتمع.
ما نشهده اليوم في منظومة التعليم العالي في السعودية—بقيادة معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان—تحوّل غير مسبوق؛ شمل إغلاق كليات وأقسام، ودمج أخرى، بل وإعادة النظر في بعض الجامعات، بالتوازي مع ظهور نماذج جديدة مثل جامعة الرياض للفنون عدا استقطاب جامعات عالمية لافتتاح فروعها داخل المملكة، بما يعكس تحولًا من جامعة شاملة إلى جامعة ذات توجه وتخصص واضح أو شراكة عالمية متخصصة.
ورغم ما صاحب هذا التحول من قلق مشروع لدى بعض الجامعات والأكاديميين، إلا أنه يسلّط الضوء على مفهوم جوهري ينبغي ترسيخه وهو “ثيمة الجامعة”؛ بوصفها هوية واضحة تحدد مسار الجامعة، وتعزز تميزها، بدل التشتت في تعدد التخصصات.
صحيح أن هذه القرارات تبدو مؤلمة، لكنها تمثل جراحة ضرورية في ظل تغيرات متسارعة في سوق العمل؛ تختفي فيها تخصصات، وتظهر أخرى، ويعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح المهن.
كما أن نماذج التعلم نفسها تجاوزت التقليدية واتجهت نحو المرونة، والتركيز على المهارات، والتكامل مع التقنية. وفي هذا السياق، نرى جامعات وطنية تتحرك بوعي، مثل جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز التي تعزز حضورها في التقنيات الناشئة والهندسة إلى جانب تجارب أوسع كجامعة الملك سعود التي اتجهت نحو تعميق التخصص وربط برامجها بالأولويات الوطنية، وكذلك جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي أعادت هيكلة تخصصاتها تحت مظلات أكثر تكاملاً عبر التوجه لإلغاء كليات مثل كلية الإعلام -مؤلم لنا كإعلاميين- وتخصصات إنسانية أخرى جعلتها تحت مظلة كلية واحدة.
أما إعادة النظر في بعض الجامعات أو دمجها، فهو قرار شجاع يعكس فهمًا بأن الموارد يجب أن تُستثمر في كيانات قادرة على مواكبة التغيير، لا أن تبقى أسيرة هياكل تقليدية.
في النهاية، كل تحوّل حقيقي يمر بمرحلة ألم، لكن الجامعات التي تعيد بناء نفسها اليوم وفق ثيمة واضحة، هي من ستقود المشهد غدًا.
محمد الشقاء
@Alshega
عضو جمعية إعلاميون