لستُ بخير… وأقولها من دون خجل، ومن دون خوف، ومن دون تزييفٍ للوجع. أنزوي في ركني البارد، حيث الصمت أحنّ من كل صوت، وحيث يمكن لروحي أن تجمع شتاتها بهدوء، بعيدًا عن أعينٍ لا ترى سوى ملامحي حين أبتسم، ولا تُبصر ما يتكسّر في داخلي حين أختفي. أختبئ من صخب العالم، أضمّ روحي إليّ كمن يربّت على طفلٍ خائف، أبحث عن دفءٍ لا يأتي من كلام، بل من صمتٍ يفهم، ومن حضنٍ لا يسأل: لماذا؟ ولا يحكم عليّ.
هل يجب علينا أن نكون دائمًا بخير؟ وكأن الألم عيب، وكأن الانكسار لا يليق بنا! لا… لستُ بخير، لكنني لا أطلب شيئًا: لا تفسيرات، ولا مواساة جاهزة، ولا نصائح تُغلّف وجعي بورق الكلمات. أحتاج فقط إلى مساحة… أن أتألم بصمتي، أن أرتجف بخوفي، أن أتأمل ملامح الحياة حين تخلع أقنعتها، وأكتشف كم من الوجوه كانت حولي لأنني كنت بخير فقط.
أنا لا أحتاج علاجًا سريعًا للوجع، ولا منطقًا يحاول أن يُقنعني أن كل شيء سيكون بخير الآن. أحتاج فقط إلى أن أُحتوى، أن أُرى كما أنا… بكسري، بصمتي، بضعفي، باحتياجي، بدموعي التي لا تنهمر لكنها تغرقني.
فليس من الضعف أن أقول اليوم: أنا منطفئة، اليوم لا طاقة لي للتماسك. إنما الضعف الحقيقي… أن أُجبر على التظاهر بالقوة حين تسقط جدراني من الداخل.
أعلم أن هذا الوقت، مهما طال، سيمضي. وأعلم أن انكساري ليس نهاية، بل منحنى صغير في طريقٍ أطول. لكن، حتى يمرّ، دعوني أعيش هذا الوقت كما هو، بهدوئه الحزين، بصمته الثقيل، دون أن أُدان أو أُحاكم، أو يُعاد تشكيل ألمي بكلمات الآخرين.
لا أريد من يُرمّمني الآن… أريد من يجلس إلى جانبي دون قلق، من يقول لي بصوته، أو حتى بنظرته: أنا هنا… حتى وإن لم تقولي شيئًا.
أحتاج إلى فسحةٍ من نور، ليس في نهاية النفق، بل في قلب العتمة؛ تنبض بالسلام، وتهمس لي أنني لستُ وحدي، وأن الاحتواء لا يشترط الشرح، ولا يُقاس بمدى شفائي، بل بالحضور الصادق.
دعنا نربّت على أكتافنا، لا لننهض فورًا، بل لنقول: أنا معك دائمًا، وكما أنت، وأحبك بكل حالاتك، وحيثما كنت، وبكل تناقضاتك.
أعلم، يا صديقي، أنك وحدك من يفهم لغة صمتي، وأنك تربّت على قلبي باحتوائك الصامت، وتمسح على خوفي بوجودك. لن نُصلح بعضنا؛ فقط نُحب بعضنا كما نحن، وبيننا عهد غير مكتوب أن نكون ملاذًا لبعضنا، لا محكمة.
فقط… دعني أخبرك بصدقٍ يوجع ويُريح:
أنا اليوم، لستُ بخير.
وفي هذا الصدق، في هذا السلام غير المشروط، يولد الأمل من جديد؛ لا كضوءٍ ساطع، بل كنبضٍ خافت يتسلّل من بين الشقوق، ويهمس: ما زلتَ قادرًا على النهوض… حين تكون مستعدًا.
أ. هناء الخويلدي
@Hana69330082
عضو جمعية إعلاميون