مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

محاكمة الضحك!

25/12/2021

أصبحنا وللأسف نتعامل مع الضحك على أنه سلوك مشين، وننظر له وكأنه أمر مخزٍ، أو تصرف مكروه، وبناءً على ذلك أصبحنا نتجنبه ونتحاشاه وكأنه سيقلِّل من شأننا، أو يحطَّ من قدرنا لو نحن فعلناه.

وما زلنا نبتعد عنه، ونقللَّ منه، ونتركه قاصدين، حتى أصبحت وجوهنا عابسة، وجباهنا دوماً مقطَّبة بسبب وبلا سبب.

أصبحنا ننظر للشخص الضاحك على أنه تافٌ أو مجنونٌ، أو مستهترٌ بالحياة وليس بتصرفاته وأقواله موزون، حتى أننا صرنا نخاف من مجالسته أو إطالة المكوث معه خوفاً من أن تنتقل لنا عدوى الضحك، فنصبح مثله خفيفي العقل، كما هو الوصف الدارج لتلك الفئة.

أن تضيع هيبتنا بمجالستنا لهم، ويقلَّ شأننا، ونحطَّ من قدرنا في نظر الناس، فتنزل منزلتنا لديهم، وتتغير تصرفاتهم معنا.

فيا لها من مصيبة لو عُرِف عني أنني جالست فلاناً الضاحك، أو أنني تعمدت الحديث معه، أو تجاوبت مع حديثه معي، لذا أصبحت ودون أن أدرك أو أعي لتصرفاتي أؤيد الناس في رأيهم، وأحقق رغبتهم، وأعكس نظرتهم على سلوكي ن وكأنه لا رأي لي ولا عقل، فها أنا ذا أتجنب أن يراني معه أحد، أو أن يعرف عن تلك المجالسة أحد فيفتضح أمري، ولا سيما أنه أصبح لي شأن بين أقراني، ووصلت إلى منزلة عند خلاّني وأخشى أن أسيء لنفسي بذلك.

لذا فأنا بحاجة لأن أبحث عن أعذار تبرِّرُ تلك الرفقة، وأنا مضطرة لتوضيح الأسباب التي اضطرتني لمجالستهم، وكأنها تهمة تلزم صاحبها للدفاع عن نفسه، وإبعاد الشبهة عنه.

حتى لا يجري حكمهم عليه، كما جرى على جليسه بخفة العقل، وتفاهة الفكر، وسوء السلوك، وقلة القيمة.

وللرد على كل هؤلاء، ولمواجهتهم بما نرى، فأنني أرى أنهم تمسكوا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال: “كثرة الضحك تميت القلب”.

ولم يأخذوا منه إلا ما وافق هواهم، ولم يفكروا للحظة، أنه إن كانت كثرة الضحك ستميت القلب كما نطق بذلك نبينا الكريم، وما ينطق عن الهوى، وحاشا لمثلي أن تنتقد أو تعقب على كلامه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهو معلمنا الأول، وقدوتنا الأمثل.

ولكن وكما ورد بالحديث فقد خصَّ كثرة الضحك بكلامه، ولكن قاصري النظر عممُّوه على الضحك كله، ولم يفكروا ولو قليلاً، حتى للحظة، أن القليل من الضحك قد يحيي القلب، وينعشه، ويجدد نشاطه، ويحرك خمول الجسد، وتنشط أجزاؤه، وتتدفق الدماء، وتنمو الخلايا الميتة في الأعضاء، ويرتاح الفكر، ويهدأ البال، ويشرق الوجه، وتحلو ملامحه إذ يعتليها البهاء والضياء.

وكأن تلك الضحكات القلائل دواء نعالج به الروح فتنسى همومها، ونعالج به القلوب لتغفل قليلاً عن أوجاعها، ونعالج به العقل ليرتاح من أفكاره وأشغاله، وكأنها تُهيؤه لها من جديد؛ ليعود إليها وقد استجمع قواه ويستطيع أن يصل لما لم يكن سيصل إليه لو أنه ظل عابساً مهموماً منهكاً، وقد أغلق على نفسه أبواب الضحك والراحة والسرور، وبمجرد أن فتحها دخلت منها السعادة والنشاط والحضور.

ويكفينا يقيناً بذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما وصلنا من سنته، ومما امتلأت به سيرته العطرة، أنه كان يضحك حتى تبدو نواجذه، وكان عليه الصلاة والسلام أكثر وقته متبسماً، والتبسم هو أول درجات الضحك، وإن كان تبسمك في وجه أخيك صدقة، فمن باب أولى أن يكون ضحكك في وجهه، وعند مقابلته أعظم أجراً. وإنه ومن المؤكد والثابت علمياً.

أن للضحك قدرة عجيبة فعلاً على استحضار الذهن لإنجاز الأعمال العقلية، وله قدرة على إنعاش الروح والقلب لمواصلة الحياة اليومية، وإن كانت كثرته المفرطة تميت القلب فعلاً، بأن تصرفه عن أمور دينه ودنياه، وتجعله لا مبالياً بالحياة، ولا مهتماً بشيء سوى تفاهاتها وسلبياتها، إلا أن القليل منه مطلوب، وله القدرة على أن يحدث في العقول والقلوب ما لا تستطيعه الأدوية، ولا يقدر عليه الأطباء، ولا تفعله الجدِّية والحزم وملازمة العبوس، والتعامل مع الحياة دوماً بطابع الجد.

وأن تأتينا بالهموم بلا عد، والمصائب بلا حد، والتي حرمتنا القدرة على التمتع بها، وإضاعة الكثير من لحظاتنا، فقد أهملنا يومنا فلم نعشه، وتعلقنا بالغد، مع أن ما نفقده لا يمكن تعويضه، وليس له مَردَّ.

لذا كان لابد، ولا بد، ولا بد، أن نبني بيننا وبين الهموم سدَّا، ويكون لنا في سعادتنا يد، فنحن لا غنى لنا عن الضحك، حتى وإن كان أحدنا يعيش حياته بمنتهى الجد، فلا إهانة له إن ضحك، وليضحك قليلاً من تكالبت عليه الهموم؛ ليسعد.

فلن تقدر عليه همومه إن ضحك، فالضحك علامة حيوية، تدل على الحياة وعلى الإحساس والمشاعر، وهو الفيصل بين السعادة والشقاء، وهو الفارق بين الراحة والعناء.

ويكفينا اطمئناناً له إن أدركنا وتذكرنا أن الله جعل الضحك سمة من سمات أهل الجنة، قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة).

ومما يمكن أن يغير نظرتنا للموضوع أن ندرك أن الله هو الذي خلق الضحك والبكاء، وجعلهما بين الناس على سواء، وجعل ظهورهما بظهور أسبابهما، ولا محدث لهما سواه، وقال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى).

وإن كانت هذه هي نظرة الأغلبية للشخص الضاحك، فإني والله أراه عكس ذلك، فالضحك علامة على خفة الظل، وسلامة الروح، وهو وإن استقبلنا به حياتنا ومن حولنا سيكون بلسماً للجروح، وباباً للعطاء والهناء مفتوح، فنستبشر خيراً إن أصبحنا ورأينا وجهاً ضاحكاً، لنبدأ به صباحنا، ونستهلُّ به يومناً.

فلنجعل شعارنا: “اضحك للدنيا تضحك لك”، ولنؤمن أنه وإن كانت كثرة الضحك تميت القلب، فإن القليل منه قد يحييه “وأي حياة”.

ولندعوا الله أن نكون من أهل الجنة، وندخلها ونحن مستبشرون، وقد أسفرت وجوهنا نوراً، وضياءً، وامتلأت ضحكاً، وسروراً بما نحن فيه، فلا يوجد في الجنة عابس.

وأنا والله (إني لأضحك) ليس فرحاً، ولا سروراً، ولا استبشاراً، ولا سعادة، ولكنه ضحك من نوع آخر، فإني لأضحك على كل هؤلاء كيف وصلت بهم الحال لأن يرفضوا الضحك، ويتجنبوه.

وأزداد ضحكاً عندما أراهم يبتعدوا عمن يضحك، وكأنهم يخشون العدوى فيصلهم الداء فيضحكوا، وأضحك أكثر وأكثر.

وقد ينقلب ضحكي إلى بكاء؛ حزناً على حالهم، وشفقة بهم؛ لأنهم انتشروا وبكثرة، و”للأسف الشديد”، وأصبح البؤس والعبوس صفة ظاهرة في مجتمعنا، وهي الداء الذي لابد أن يتم استئصاله، ونخشى على البقية من عدواه، وهو والله أشد هتكاً من النار في الضريم، وأشد فتكاً من الريح في الهشيم.

فاضحكوا معي، وليرتفع صوت ضحكاتنا، حتى يصلهم، فينغص نومهم، ويقلق راحتهم، ويكدر خاطرهم، حتى يهبُّوا ويتحركوا، فإما أن نعديهم فيضحكوا معنا، وإما أن تغلبهم شقوتهم، وتسيطر عليهم نظرتهم، وينعزلوا بعيداً إلى حيث بؤسهم، وسواد نظرتهم.

أما نحن، فلن نتوقف عن الضحك، وهذا الضحك بالذات، لأن “شر البلية ما يضحك”.

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop