انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرةٌ تتكرر في كل مناسبة اجتماعية أو رسمية، وحتى دينية، لفئةٍ معينة من البشر. هؤلاء لا يأتون للمشاركة، أو الاحتفاء، أو حتى العزاء، بل يتصدرون كراسي القاعات وكأنهم يفتتحون احتفالاً خاصاً بهم. يتجهون مباشرة إلى الصف الأول، ويدفعون بلطف ـ أو من دونه ـ من يسبقهم، ثم يجلسون في المقعد الذي يبدو وكأنه صُمم خصيصاً لهم. ولا يتحركون من أماكنهم حتى لقضاء حوائجهم، إلا بعد حجز الكرسي بترك المشلح نيابةً عنهم، ثم تبدأ المهمة الحقيقية: مراقبة الكاميرات.
هؤلاء هم “أبطال المظاهر”، أو ما يُسمَّون بـ”مشائخ الفلاشات”. يعرفون تماماً أين تقف الكاميرا، ومتى تتحرك، وكيف يجب أن يبدو وجههم في اللقطة. ابتسامة مدروسة، ورأس مائل بزاوية محسوبة، ويد مرفوعة بتحية “واثقة”، ونظرات تتنقل بين الجمهور والعدسة. إنهم لا يحضرون الحدث، بل يصنعون “صورة” عن أنفسهم.
وقد حدثني أحد مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي بأن بعضهم يطلب من المصور متابعته بالكاميرا منذ دخوله المحفل وحتى استقراره في مقعده بالصف الأول، مع حرصه على الحضور المبكر لتصدر المشهد، مقابل مبلغ مالي يستفيده المصور.
وغالباً ما يكون هؤلاء أشخاصاً يعانون من فراغ داخلي أو عقدة نقص، يحاولون ملأها بالظهور. فكل مناسبة بالنسبة لهم فرصة لإثبات أهميتهم للآخرين، وربما لأنفسهم أيضاً. لذلك يختارون المقاعد الأمامية لأنها الأقرب إلى المنصة، والأقرب إلى الضوء، والأقرب إلى عيون الناس.
يرفضون الجلوس في الخلف، لأن “الخلف للصغار”، كما يقولون في قرارة أنفسهم. وإذا اضطروا لذلك يوماً، تراهم يتململون ويمدون أعناقهم كالزرافات، محاولين الدخول في إطار الصورة بأي ثمن.
أبرع ما فيهم هو “الوعي الكاميرائي”، وفن مراقبة العدسات. يعرفون متى يصفقون بحماس زائد، ومتى يهزون رؤوسهم موافقةً، وإذا كان الحدث يُبث مباشرة، تحولوا إلى ممثلين محترفين، يبدلون تعابير وجوههم كل بضع ثوانٍ مع كل لقطة للمتحدث.
وفي الأعراس، يجلسون بالقرب من منصة العريس، ويحرصون على أن تظهر صورهم وهم يتوشحون المشالح، ويشاركون في العرضات والشيلات الخاصة بالمناسبة. ومن الجانب النفسي والاجتماعي، يحاولون إيهام الآخرين بأهميتهم من خلال السباق إلى المقاعد الأولى، ليتكون لدى العامة انطباع بأنهم أصحاب شأن ومكانة.
هذه الظاهرة ليست جديدة، لكن وسائل التواصل الاجتماعي جعلتها أشبه بالوباء. فكل صورة “سيلفي” أمامية، أو مقطع “ستوري”، يعزز الوهم بأن “الوجود في المقدمة يعني الأهمية”. وينسى هؤلاء أن المقعد الأمامي لا يعني شيئاً إذا كان خلفه فراغ.
الكبار حقاً يثقون بأنفسهم، ولذلك نجدهم يفسحون المجال لكبار السن وأصحاب المكانة الحقيقية، ويُنزلون الناس منازلهم. وقد سمعت رواية عن شيخ شمل قبيلة عنزة، الشيخ محروت بن هذال، أنه حضر في إحدى زياراته للسعودية للسلام على الأمير سلطان بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وعندما دخل الديوان وجد المجلس ممتلئاً بالحضور، كالمعتاد. فإذا بأحد الرجال الجالسين بالقرب من الأمير سلطان ينهض من مقعده، ويترك المكان للشيخ محروت، رغم أنه لا يعرفه. وعندما سأل الشيخ الهذال عن الرجل الذي أفسح له المجال تقديراً له، أُخبر بأنه فيصل الدويش، شيخ قبيلة مطير. هذا هو فعل كبار القوم والواثقين من أنفسهم.
فالمحتوى الحقيقي للشخصية يظهر في أفعالها، لا في المقاعد الأمامية أو الخلفية كما يظن بعض الناس. فالكبير الحقيقي هو من يساعد بهدوء، ويستمع بصدق، ويبذل جهده دون انتظار كاميرا أو تصفيق.
لكن، وللأسف، أصبحت المظاهر في مجتمعاتنا عبئاً ثقيلاً. فالأسر تتنافس في التفاخر بالمناسبات، والأفراد يتنافسون في التصدر أمام الكاميرات. والنتيجة: مجتمع يقيس القيمة باللقطة لا بالفعل، وبالمظهر لا بالجوهر.
دعوة للتأمل:
في المرة القادمة التي تحضر فيها مناسبة، راقب هؤلاء “القوم”، ثم اسأل نفسك: هل أنت واحد منهم؟ هل تبحث عن المقعد الأمامي لتشعر بقيمتك، أم تجلس حيث تستطيع أن تكون مفيداً حقاً؟
فالأهمية الحقيقية لا تحتاج إلى كاميرا، ولا إلى مقعد أمامي. إنها تظهر في الصمت، وفي العمل الدؤوب، وفي التواضع الذي لا يحتاج إعلاناً. أما الذين يراقبون الكاميرات باستمرار، فغالباً ما ينسون أن يراقبوا أنفسهم.
د. سعود عقل
@AlshrkhAlolah
عضو جمعية إعلاميون