مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

مصداقية الإعلام.. ومصداقية الدبلوماسية العامة

2/12/2023

 

تُعرفُ المصداقيَّةُ الصحفيَّةُ بأنَّها: «ثقة الجمهور في الوسيلة الإعلاميَّة، ومدى تقديرها وتفضيلها كمصدرٍ للمعلومات والآراء، وترتبط هذه المصداقيَّة بمعيارَين من معايير الصَّحافة الأساسيَّة وهما: المهنيَّة، ويُقصد بها كفاءة العنصر البشريِّ في المؤسَّسة الإعلاميَّة، وكفاءة بيئة العمل بها، وما يتبع ذلك من جودة المُنتَج الإعلاميِّ. ‏أمَّا المعيار الثَّاني فهو الموضوعيَّة، ويُقصد به البُعد عن الأهواء والمصالح الذاتيَّة في التَّناول الإعلاميِّ، والالتزام بحقائق الموضوع، والعدل في الحكم على الأشخاص والأحداث والقضايا». ويحظى مصدر المعلومة بالمصداقيَّة عندما يُصدِّقه الجمهورُ، ومن العوامل المؤثِّرة على مصداقيَّة المصدر: الخبرة ورصيد السُّمعة الجيِّدة، بالإضافة للجاذبيَّة (الكاريزما).

وكما أنَّ المصداقيَّة تُعتبر أمرًا حيويًّا بالغَ الأهميَّة لوسائل الإعلام، فإنَّ المصداقيَّة لا تقلُّ أهميَّةً للدبلوماسيَّة العامَّة، وبدونها، فإنَّها تفقدُ قدرتها على الجذب والتَّأثير المنشود. لأجل ذلك فإنَّ إستراتيجيَّات الدبلوماسيَّة العامَّة، وتوظيف مصادر القوَّة النَّاعمة في كافَّة المجالات؛ ينبغي أنْ تتضمَّن -دومًا- إجراءاتٍ تشملُ بناء الثِّقة وكسب الاحترام، وتجنُّب أساليب الدِّعاية (البروباغاندا).

‏وترتبط المصداقيَّة بكلِّ عنصر من عناصر التَّواصل الشعبيِّ، فمصداقيَّةُ «الإنصات» للآخر، تنبعُ من دقَّة ملاحظة واستجابة المستمع للمعلومة، وخلوِّه من الانحياز. وتقوم مصداقيَّةُ «الدبلوماسيَّة الثقافيَّة» على أصالة العمل الثَّقافي المعروض، ‏ودرجة تمثيله للمجتمع، أمَّا مصداقيَّةُ «التَّبادل»، فإنَّها تُبنى ‏على درجة التبادليَّة بين البلدين، وحُسن التَّمثيل. وأخيرًا.. تقوم مصداقيَّةُ «الإعلام الخارجيِّ» على مدى التزامه بمعايير وأخلاقيَّات العمل الصحفيِّ.

وتنبع أهميَّة قيام ممارسي الدبلوماسيَّة العامَّة بدراسة وفهم الدِّعاية (البروباغاندا)، من الأسباب التَّالية:

1. ‏أنَّ انحراف الدبلوماسيَّة العامَّة، ودخولها بأيِّ شكلٍ لدائرة «الدِّعاية» يمكن أنْ يُفْقِدها المصداقيَّة والموثوقيَّة، وبالتَّالي فقدان الجاذبيَّة والقدرة على الإقناع والتَّأثير، والذي يُعتبر عنصرًا أساسيًّا لتحقيق أهداف السياسة الخارجيَّة.

2. ‏ارتبط مفهومُ الدِّعاية -على مدى عقود- بالكذب والخداع وسوء النوايا، وهي أمور سلبيَّة ينبغي للدبلوماسيَّة العامَّة النأي بنفسها عنها.

3. ‏كلَّما ‏زاد فهم ممارسي الدبلوماسيَّة العامَّة للدِّعاية، مكَّنهم ذلك من تجنُّب الانجراف إليها، خاصَّةً أنَّ هناك خطًّا رفيعًا يفصل في كثيرٍ من الحالات بين المفهومَين.

4. ‏دراسة الدِّعاية وفهمها هو أمرٌ هامٌّ، وتزداد أهميَّته في الدول التي اعتادت على تبنِّي الأساليب الدِّعائيَّة لعقودٍ طويلةٍ، حتَّى أصبح لها جذورٌ متأصلِّةُ داخل أسلوب وعقول العاملين لديها بمختلف المجالات، ‏وهنا تبرز الحاجةُ إلى برامج التَّوعية والتَّدريب لتغيير ذلك. ناهيك عن أنَّ ذلك الفهم يُعدُّ ضروريًّا لكشف أيِّ ممارسات خارجيَّة تسعى لتوظيف القوَّة النَّاعمة للإضرار بالبلد.

خلاصة القول هي: أنَّ المصداقيةَ ليست فقط الأكسجين الذي يمنحُ الحياةَ للإعلام، ولكنها أيضاً الأكسجين الذي يمنحُ الحياة للدبلوماسية العامة، وبدونها تصبح تلك الدبلوماسية ضعيفةً، أو حتى عديمة التأثير. من أجل ذلك فإنَّ على كافة المعنيين بتوظيف مصادر قوتنا الناعمة، الحرص بكلِّ الوسائل على الحفاظ على ثقة واحترام المتلقِّي الخارجيِّ في كلِّ ما يقومُونَ به، بل وبهم شخصيًّا. ومع انتشار شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ، وزيادة وعي النَّاس، فإنَّ هذه ‏المسألة تصبحُ أكثرَ أهميَّةً وإلحاحًا.

د. سعود كاتب
عضو جمعية إعلاميون
‏@skateb

 

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop