ما بين الرغبة في الانعزال عن ضجيج العالم وبين الفضول لمراقبة أحداثه المتسارعة، وفي وسط هذا الصراع النفسي، استوقفني خبر اختيار قاموس أكسفورد لمصطلح “تعفّن الدماغ” كلمة لعام ٢٠٢٤م. أثارت هذه المعلومة في نفسي فضولاً عميقاً للتفكر فيما هو أبعد عن تأثير التكنولوجيا على الدماغ والتساؤل، هل يمكن أن يكون معنى هذا المصطلح أعمق من مجرد تدهور فكري أو عقلي؟ أي بمعنى هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين تعفّن الدماغ وتعفّن النفس البشرية؟ أو أن يؤدي تعفّن الدماغ إلى تعفّن النفس؟
وأثناء تنقلي بين المواقع الإلكترونية، وبين الأفكار الفلسفية والنظريات العلمية وبين قراءة الماضي والحاضر، وجدت نفسي غارقة في رحلة بحثية لفك شفرة هذا المصطلح واستكشافه. فإن كل مصدر أطلع عليه يجعلني أغوص أعمق لفهم ما قد يعنيه مصطلح تعفّن النفس في الحياة الواقعية والعلاقات الإنسانية.
هل من المعقول أن تتعفّن النفس؟ هل من الممكن أن يكون هذا التعفّن ملاحظ أو مُدرك من قبل صاحبه؟
هذه الأسئلة وغيرها قادتني إلى التأمل في مفهوم تعفّن النفس، قد تكون بسبب اختلال في التوازن بين الرغبات والعواطف أو كما وصف أرسطو النفس بأن الفضيلة تكمن في الوسط بين الإفراط والتفريط، لكن حين تسيطر مثلاً الأنانية أو النفاق على التوازن، تنشأ حالة من التدهور الأخلاقي أو النفسي.
ومن منظور الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، قد يؤدي التمسك بالقيم الزائفة إلى تشوّه الروح الإنسانية، بحيث يعيش الإنسان حياة سطحية قائمة على المظاهر والغايات المادية فقط مما ينشئ فراغ داخلي أو أزمة نفسية لدى الإنسان.
في عصرنا الحالي، قد تبدو العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة نتيجة الضغوط الاجتماعية والمادية والمنافسة المستمرة في الحياة اليومية. فإن هذه الضغوط قد تؤدي إلى تعفّن العلاقات أو تعفّن النفس ذاتها، مما يجعل بعض الأشخاص أكثر شراسة وقسوة. كما أن التركيز على حياة الآخرين يعيق الشخص عن ملاحظة ما ينعم به في حياته، إن هذه المشاعر السلبية مع مرور الوقت تتحول إلى سموم نفسية تؤدي إلى التعفّن التام. وهذا التدهور النفسي يصعب بناء علاقات صحية أو تحقيق النجاح الاجتماعي والمادي، ويخلق فجوة بين الشخص ومن حوله.
في النهاية، قد لا يكون تعفّن النفس مجرد حالة نفسية مؤقتة، بل هو إنذار داخلي يعني اختلال التوازن بين الواقع والطموح في عصر مليء بالضغوطات. لذا يجب على من يعاني من هذا الاختلال أن يعيد ترتيب أولوياته، حتى يستطيع تكوين علاقات صحية مستمرة، وكما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
د. مها الشريف
@imahaalshreef
عضو جمعية إعلاميون