مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

أخلاق رمضان.. بين الشعار والحقيقة

كثيرًا ما نسمع في هذه الأيام عبارة: “أخلاق رمضان”، تُقال بنبرةٍ لا تخلو من التبرّم، وكأنها تبريرٌ جاهز لضيق الصدر وسرعة الغضب. تُقال عندما يحتدّ النقاش، أو يتوتر المزاج، أو يعجز البعض عن احتمال أبسط المواقف. تتكرر العبارة حتى كأنها أصبحت حقيقة مُسلَّمًا بها.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل: هل هذه فعلًا أخلاق رمضان؟

رمضان لم يُشرّع الصيام ليكون عبئًا على الأخلاق، بل ليكون ارتقاءً بها. لم يأتِ ليُظهر هشاشة الصبر، بل ليُقوّي دعائمه. هو شهر التهذيب الداخلي، حيث يُفترض أن تتراجع حدّة النفس، وأن تخفت ضوضاء الانفعال، وأن تتقدّم مساحة الحِلم. فكيف انقلب المعنى في أذهان البعض، حتى صار الشهر الكريم متهمًا بما لم يدعُ إليه؟

الصيام في جوهره ليس جوعًا وعطشًا فحسب، بل انضباطٌ شامل. هو امتناع عن الأذى قبل امتناع عن الطعام، وكفٌّ عن القسوة قبل كفّ اليد. هو تدريب يومي على ضبط اللسان، وترويض الغضب، وتوسيع دائرة الاحتمال. الصائم الحقيقي لا يقيس نجاح يومه بعدد الساعات التي صبر فيها عن الطعام، بل بقدر ما صبر عن الزلل، وعن الرد القاسي، وعن الانفعال السريع.

رمضان مدرسة أخلاق قبل أن يكون مدرسة عبادة. فيه تتجلّى قيمة الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والعفو عند المقدرة، والصبر الجميل. هو شهرٌ يُفترض أن يُعيد ترتيب الداخل الإنساني، فيجعل الهدوء فضيلة، والرحمة سلوكًا، والحِلم عادة، فحين يشتد الجوع، ينبغي أن يزداد اللطف، وحين يتعب الجسد، ينبغي أن تسمو الروح، وحين تضيق النفس، ينبغي أن تتسع الأخلاق.

غير أن المشكلة ليست في رمضان، بل في فهمنا له. حين نختزل الصيام في الامتناع الجسدي، ونغفل عن بعده الأخلاقي، نفقد جوهر التجربة. وحين نسمح للغضب أن يتسيّد المواقف، ثم نُعلّق ذلك على “أخلاق رمضان”، نكون قد ظلمنا الشهر ومعناه.

أخلاق رمضان الحقيقية تُرى في إنسانٍ أكثر رفقًا، أكثر صبرًا، أكثر اتزانًا. تُرى في نفسٍ تُجاهد لتكون أهدأ، لا أكثر توترًا. وفي قلبٍ يتسع للناس رغم التعب، لا يضيق بهم.

رمضان لم يكن يومًا موسم انفعال، بل موسم سمو، فلا تجعلوا رمضان متهمًا بسلوك لم يأتِ به، ولا تنسبوا للشهر الكريم ما تصنعه أمزجتنا.

 

وفاء الشهري
‏@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop