في كل مؤسسة، هناك أشخاص لا يقتصر حضورهم على أداء المهام، بل يعيشون كل لحظة من العمل بإحساسهم ووعيهم. ينجزون أكثر مما يُطلب، يفكرون أبعد مما يُتوقَّع، ويحملون شعورًا بالمسؤولية حتى في التفاصيل التي قد يغفل عنها الآخرون. وحين لا يجد هذا النوع من الحضور مساحة تتسع له، يُوصَف سريعًا بأنه “صعب الإدارة”. ليست المشكلة في الوصف ذاته، بل فيما يختزنه من استعجال للحكم، وفي غفلة عن السؤال الحقيقي: هل المشكلة في الأشخاص، أم في أسلوب القيادة؟
أصحاب الأداء العالي لا يثيرون الأسئلة ليعاندوا، ولا يختلفون ليخالفوا بل يفعلون ذلك لأنهم لا يعرفون العمل بلا معنى، ولأنهم يحملون شعورًا داخليًا بأن كل ما يفعلونه يجب أن يترك أثرًا. ينظرون إلى التفاصيل وكأنها أجزاء من لوحة فنية، ويهتمون بالجودة كما يهتم الآخرون بالنتيجة فقط. هذا العمق في التفاعل قد لا ينسجم مع بيئات اعتادت الإيقاع الواحد، لكنه في حقيقته تعبير صادق عن التزام عميق لا عن تعقيد مفتعل.
حين تُدار المؤسسات بعقلية تُكافئ الطاعة أكثر من التفكير، ويُحسب الصمت معيارًا للانضباط، يصبح السؤال مزعجًا، والمبادرة تهديدًا. عندها يتحول صاحب الأداء العالي من إضافة ثمينة إلى “تحدٍ يجب احتواؤه”. المشكلة لا تكمن في الفرد، بل في بيئة لا تمنح المساحة لنبضه وأفكاره.
أصحاب الأداء العالي لا يطلبون امتيازات استثنائية، ولا يبحثون عن معاملة خاصة. كل ما يحتاجونه شعور بسيط لكنه مؤثر: أن تُقدّر مساهمتهم، وأن يُسمع صوتهم، وأن يُعترف بحضورهم الصادق. حين تتوفر هذه المساحة، يتحول عطاؤهم إلى طاقة مضاعفة. وحين تغيب، يبدأ التآكل بصمت، دون ضجيج، وربما دون أن يلحظ أحد ما يحدث.
وغالبًا لا يعبّر هؤلاء عن تعبهم بصوت عالٍ. يعتقدون أن الجودة وحدها ستتحدث عنهم. لكن الصمت حين يطول يتحول إلى مسافة، ثم إلى فتور، وربما إلى انسحاب هادئ تخسره المؤسسة قبل أن تدرك السبب.
إدارتهم لا تحتاج صرامة أكثر، بل قلبًا أوسع وعقلًا أهدأ. تحتاج قائدًا يفهم أن الاختلاف ليس تهديدًا، وأن السؤال ليس تشكيكًا، وأن النقد ليس جحودًا للجهد. قائدًا يمنح الأمان قبل الأداء، ويدرك أن الثقة ليست ضعفًا إداريًا، بل هي الوقود الحقيقي للإبداع.
ووصف أصحاب الأداء العالي بأنهم “صعبو الإدارة” قد يكون انعكاسًا لصعوبة تقبّل العقول المستقلة، أو لقلة استعداد بعض القيادات لمرافقة من يفكر بعمق ويشعر بعمق. فالقيادة الحقيقية لا تُختبر حين يكون الجميع متشابهين، بل حين يكون بينهم من يرى ما لا يُقال، ويستشعر ما لا يُرى، ويمنح العمل بعدًا إنسانيًا قبل أي رقم أو تقرير.
في النهاية، أصحاب الأداء العالي ليسوا عبئًا، بل فرصة نادرة. فرصة لإعادة تعريف القيادة، وإعادة اكتشاف الإنسان وراء الأداء. إن وُجدت قيادة تتسع لهم، أزهروا وأثمروا المكان بحضورهم. وإن ضاقت، غادروا هادئين… تاركين أثرًا لن يفهمه إلا من يعرف قيمة الإنسان في العمل.
ويبقى السؤال مفتوحًا، بلا لوم ولا دفاع؛ هل أصحاب الأداء العالي صعبو الإدارة؟ أم أن بعض الإدارات لم تتعلّم بعد كيف تقود بالعقل… وبالقلب معًا؟
الحجاز الثقفي
@alhijazmusleh
عضو جمعية إعلاميون