هنالك مفاهيم مترسخة ومتجذرة في الحياة، البعض منها – مع الأسف – تكون خاطئة، وأنا هنا أسلط الضوء على أحدها، وهو عمل الخير.
قبل فترة ليست ببعيدة، خرج معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ بتصريح ضجّ به الإعلام، وتكلم فيه عن عدم ثقته في بعض الجمعيات التي تجمع التبرعات، وأضاف أنه شخصياً لم يتبرع بريال واحد لأي جمعية.
هنا أنا لن أطلق الأحكام، ولن أتهم، ولن أدافع، بل سأخبركم ببعض القصص التي أثرت فينا وزرعت حب الخير فينا.
تقول القصة: كان هنالك رجل صالح ناصر الرسل الذين أرسلهم الله عز وجل إلى قومه، فدعا قومه إلى ترك عبادة الأصنام واتباع الحق، وكانت دعواه نصرةً للدين والرسل الذين لا يعرفهم، ولكنه آمن برسالتهم وأحب الخير لقومه؛ قومه الذين لم يتحملوا وقوفه مع الرسل ونصحه لهم وكلامه بالحق فقتلوه..! فعندما فارق الحياة مستشهداً أكرمه الله برؤية الجنة، فذكر الله لنا قصة هذا الصالح في كتابه الكريم في سورة يس، الآية (26): ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
لم يشمت هذا الرجل الصالح بقومه، بل تمنى الخير لهم وهو حي، وحتى بعد استشهاده، وهم الذين قتلوه..! ونحن بدورنا كمسلمين نقرأ القرآن بتدبر، ونستنبط منه ما فيه صلاح لنا ولأمتنا جميعاً، وكعقيدة راسخة فنحن نؤمن إيماناً تاماً مطلقاً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
وقد جاء في سورة يونس قصة النبي يونس عليه السلام حينما ترك قومه غاضباً، وركب السفينة، فهاجت الأمواج بها، فأجروا قرعة لإلقاء أحدهم تخفيفاً للحمولة، فوقعت عليه، فالتقمه الحوت وهو في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. لم ييأس يونس عليه السلام، بل استغفر الله وسبحه ودعاه بكلمات معدودات من داخل بطن الحوت. هذا الخير البسيط المتمثل بالاستغفار والدعاء والتسبيح كان سبباً في تفريج كربته ونجاته من الموت، وقد بيّن سبحانه وتعالى سر التسبيح بقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
وما تعلمناه هو أن عمل الخير يُجزى عليه صاحبه، ولا يذهب سدى، مهما كان هذا الخير؛ كبيراً كان كفعل مؤمن آل ياسين، ذلك الرجل الصالح الذي وقف ضد قومه واستشهد من أجل عمل الخير، أو صغيراً كان بكلمات معدودات كفعل النبي يونس عليه السلام.
ولو بحثنا في الأحاديث لوجدنا الكثير من هذه القصص، وكذلك القرآن الكريم. وما يستفاد هنا هو تغيير هذا المفهوم؛ فالله سبحانه وتعالى في سورة الزلزلة، الآيتين (7، 8)، قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
أي بمعنى: لو عملت خيراً ولو مثقال ذرة – والذرة هنا المقصود بها صغار النمل – فإنك ستلقى خيراً بالتأكيد، ولو عملت شراً ولو مثقال ذرة فإنك ستلقى شراً بالتأكيد.
بالنهاية، عمل الخير عمل شمولي كبير وضخم، ما ظهر منه وما بطن، وحقيقةً هو عمل ملموس يخرج منه العطاء بسخاء، ويخرج منه الكف عن الأذى..! فالعطاء بما أعانك الله به، ولو مثقال ذرة كما أخبرنا سبحانه وتعالى، والكف عن الأذى فيه خير عظيم.
ولو فصلنا العطاء لربما احتجنا إلى صفحات، لكن سأختصره بعنصرين رئيسيين: عطاء ملموس، وعطاء معنوي ولو بكلمة. والكف كذلك بشيء ملموس أو معنوي، ولو كانت كلمة. فالحذر من عدم التبرع وبذل الخير الذي فيه فضل عظيم جداً.
ختاماً، قال ﷺ: «رب كلمة يقولها العبد لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً». ومن الأمثال: «رب كلمة قالت لصاحبها دعني».
بدر الصقيري
@WriterBader
عضو جمعية إعلاميون