مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

أمنياتنا تتحقق ونحن لا نعلم

في زحام الحياة، نُرهق أنفسنا ونحن نطارد ما نعتقد أنه “الاكتمال”، نؤجل شعور الرضا إلى لحظةٍ لم تأتِ بعد، ونربط سعادتنا بأهدافٍ مؤجلة، كأن الحياة وعدٌ مستقبلي لا واقعٌ نعيشه الآن. الغريب — والمؤلم أحيانًا — أن كثيرًا مما نتمناه قد تحقق فعلًا، لكننا لم ننتبه.
نستيقظ صباحًا بأجسادٍ تعمل، بقلبٍ ينبض دون استئذان، برئتين تؤديان مهمتهما بصمت، دون أن نحتفي بهذه المعجزة اليومية. كم مرة تمنّى مريضٌ أن يعود إلى هذا “العادي” الذي نعيشه نحن دون اكتراث؟ الصحة ليست فقط غياب المرض، بل حضور القدرة: أن تمشي، أن تعمل، أن تتنفس بعمق… هذه كلها أمنيات تحققت، لكنها بلا ضجيج، لذلك لا نراها.
ثم ننظر إلى من حولنا… أطفالنا الذين يملؤون المكان حياةً، ضحكاتهم التي تقطع صمت التعب، حركتهم التي تُربك يومنا لكنها تُنعش روحنا. كم من قلبٍ يتمنى طفلًا يملأ فراغه، وكم من بيتٍ يتمنى صوتًا واحدًا يُنادي “أبي” أو “أمي”. وجود الأبناء بصحةٍ وعافية ليس أمرًا عابرًا، بل هو نعمةٌ تتجدد كل يوم، لكنها لا تُرى إلا عندما تُفقد.
المفارقة أننا نُجيد عدّ ما ينقصنا، ونفشل في ملاحظة ما اكتمل. نُخطط للمستقبل بعناية، لكننا نُهمل الحاضر الذي كان يومًا حلمًا. نركض خلف تحسين جودة حياتنا، بينما نغفل أن جزءًا كبيرًا منها جيد بالفعل.
الاهتمام بالنفس لا يبدأ بشراء ما نريد، بل بالوعي بما نملك. أن تُبطئ قليلًا، أن تُصغي لجسدك، أن تمنحه راحةً قبل أن يطلبها قسرًا، أن تُقدّر لحظة الهدوء بدل أن تملأها بالقلق. العناية بالنفس ليست رفاهية، بل اعتراف ضمني بأنك تستحق أن تعيش جيدًا، لا أن تنتظر فقط.
جرّب أن تُعيد تعريف أمنياتك: ليست فقط في بيتٍ أكبر، أو وظيفةٍ أفضل، أو رقمٍ أعلى في الحساب البنكي.
أحيانًا، أمنيتك تحققت حين لم تعد تتألم، حين نام طفلك بسلام، حين مرّ يومك دون خسارة.
قد لا نملك كل شيء، لكننا—بلا شك—نملك أشياء كان غيرنا سيدعو الله طويلًا ليحصل عليها.
السؤال الحقيقي ليس: ماذا ينقصنا؟
بل: كم أمنية تحققت… ولم نشكرها بعد؟

 

بجاد العتيبي
@alotaiby511511
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop