في العصر الجاهلي كان هناك حجٌ إلى مكة، وكان حج الجاهلية امتدادًا لإرث إبراهيم عليه السلام، لكن هذا الإرث أُضيفت إليه طقوس وثنية، فكانت بعض القبائل العربية تحج إلى مكة وتمارس طقوسها الدينية، وتطوف وتُلبي، ولكل قبيلة تلبية محددة وممارسات شركية، كتعبد الأصنام والتقرب بها إلى الله وغيرها. وفي ذلك الوقت كانت خدمة الحجاج مدعاة فخر وشرف في الجاهلية، وهذا الفخر والشرف الرفيع نالته قريش بحكم قربها الجغرافي للبيت الحرام أكثر من باقي القبائل.
ومن قريش نبغ رجل يُدعى قصي بن كلاب، وهو الجد الخامس للرسول صلى الله عليه وسلم، فحكم مكة وتولى أمرها، واستقرت قريش ونهضت بمكة، وأصبحت المدينة الاقتصادية والدينية والأدبية، والوجهة الأولى لقبائل العرب. فأول من قام بالرفادة والسقاية هو قصي بن كلاب، وحصل على السدانة واللواء معها بحكم أنه رئيس قريش، وجعلها من بعده متوارثة، وأنشأ دار الندوة للمشورة في شؤون مكة وتجارتها، وأيضًا حروب قبائلها.
كان لقصي خمسة أبناء يذهبون جميعًا لرحلة الشتاء والصيف، عدا ابنه الكبير عبد الدار، فأخذ الإخوة يعيرون أخاهم الكبير، فغضب عبد الدار وغضب قصي لغضبه، وقال: «والله لأشرفنك عليهم»، فأعطى الوظائف الشرفية التي أسسها وغيرها لابنه عبد الدار.
وحينما مات قصي أتى الإخوة إلى أخيهم الكبير، وقالوا له: «إنك أخذت كل الشرف وما تركت لنا شيئًا»، فقال: «خذوها كلها إلا السدانة والرئاسة»، حيث كان هو رئيس قريش.
وحين أتى الإسلام، كانت هناك قبائل دخلت الإسلام قبل فتح مكة، وعلى الضفة الأخرى كانت هناك قبائل تحالفت مع قريش لمحاربة المسلمين، وما إن فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ورمت قريش راية المعارضة، دخلت جميع القبائل في الإسلام، وهذه دلالة على زعامة قريش الاقتصادية والدينية في وقتها، التي صنعتها بحكم الموقع الجغرافي.
كما لا يقتصر الحج على الوظائف التي أعطاها قصي بن كلاب لابنه، بل كانت هناك رعاية وحماية للحجاج في مكة وحولها من قبل قريش. أما ما عُرف بدار الندوة، تلك الدار التي أسسها قصي بن كلاب للمشورة في شؤون مكة، والتي أضحت في وقت بزوغ فجر الإسلام تُحاك بها الخطط ضد الرسول، فقد سقطت بمجرد فتح مكة، وبقيت السدانة، وفي منصبها مسؤولية البيت الحرام ومفاتيحه والاعتناء به، والتي كانت ولا تزال في بني شيبة، والسقاية التي كانت مسؤوليتها توفير الماء للحجاج والوافدين إلى مكة، والرفادة التي كانت مسؤوليتها توفير الطعام للحجاج والوافدين إلى مكة، واللواء الذي كانت مسؤوليته قيادة الجيوش الخارجة من مكة، فتحول إلى القيادة العسكرية الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وها نحن اليوم نعيش لنرى السدانة والسقاية والرفادة قائمة بعمل منظم، وبجهود جبارة عظيمة تقف خلفها قيادة وشعب يدًا بيد، والرعاية والحماية للحجاج التي امتدت ليومنا هذا. واليوم، وبعد أكثر من 1400 سنة، نرى ونشاهد حجم الرعاية والحماية المقدمة للحجاج القادمين إلى مكة المكرمة، ممثلة بالقوات الأمنية المشاركة بكافة قطاعاتها في هذا الشرف العظيم، والقطاعات الخدمية والصحية بكافة أنواعها، لنرى أبطالًا مرابطين، ليس في مكة فقط، بل في مملكتنا كلها، مرابطين لنيل ذلك الشرف الرفيع الذي كانت ولا تزال تتفاخر به صاحبة أمام العرب من قبل الإسلام وحتى يومنا هذا.
واليوم، في حج عام 1447هـ، تقوم مملكتنا بجهود جبارة وعظيمة في خدمة ضيوف الرحمن، من سقاية ورفادة ورعاية وحماية، بل تطور الأمر بجهود قيادتنا الرشيدة للوصول إلى تحقيق أعلى مستويات الراحة والرفاهية، ولله الحمد، من خلال تقديم خدمات رقمية متطورة عبر منصات وزارة الحج والعمرة الإلكترونية، وبأحدث وسائل الذكاء الاصطناعي؛ لتسهيل حركة التنقل بين المشاعر المقدسة.
وبتوجيهات القيادة الرشيدة يعمل إخواننا المرابطون على قدم وساق في مملكتنا، وتحديدًا من خصهم الله بشرف خدمة ضيوف الرحمن، لإدارة الحشود الكبيرة وإنجاح حج هذا العام، فهنيئًا لكم هذا الشرف، وهنيئًا لكم هذا الفخر.
فالشعب السعودي وقيادته الرشيدة يفخران بما تقدمونه من جهود مباركة في المشاعر المقدسة، ونسأل الله لكم ولضيوف الرحمن القبول في العمل إن شاء الله.
ومن مدينة مكة المكرمة، المدينة التي انطلقت كمدينة اقتصادية ودينية وأدبية، والوجهة الأولى للقبائل العربية، وهي الآن الوجهة الأولى للعالم أجمع، ولإخواني المرابطين، وأخص بالذكر الضباط والأفراد، أبعث تحية إجلال واحترام وتقدير لكم، ولجميع ما تقدمونه من عمل نفخر به كشعب أمام العالم أجمع، فأنتم محل ثقة وفخر واعتزاز لنا جميعًا.
ولجميع من قصد مملكتنا الحبيبة من ضيوف الرحمن الكرام وغيرهم، نقول تحت الشعار الذي أطلقته وزارة الحج والعمرة لهذا العام «حياكم الله».
بدر الصقيري
@WriterBader
عضو جمعية إعلاميون