كاتب وباحث في السياسات التربوية
في عالمٍ تتكاثر فيه المنصات، وتتسارع فيه الخوارزميات، لم يعد الإعلام كما كان. لم يعد مجرد نقلٍ للأحداث، ولا سباقًا على كسر الخبر، بل دخل مرحلة أكثر عمقًا وتعقيدًا؛ مرحلة يعاد فيها تعريف وإنتاج المادة النوعية أو القصة الخبرية ، ويُعاد فيها تشكيل الوعي بكيفية سردها.
نحن أمام تحوّلٍ جوهري في مفهوم الإعلام وصناعة السرد، تحوّل يفرض على صُنّاع المحتوى أن يطرحوا سؤالًا حاسمًا: كيف نخاطب عقل الإنسان ووجدانه، لا فقط كيف نصل إليه؟
لقد أصبح الوصول إلى الجمهور مسألة تقنية قابلة للحل؛ ضغطة زر، أو خوارزمية ذكية، كفيلة بإيصال أي رسالة إلى ملايين الشاشات. لكن التحدي الحقيقي لم يعد في “الوصول”، بل في “التأثير”. لم يعد السؤال: كم العدد الذي شاهد المحتوى؟ بل: كم عدد الأشخاص الذين شعرو به وتفاعلو معه؟ وكم بقي منه في داكرتهم بعد انطفاء الشاشة؟
هنا تتكشف أزمة المحتوى المعاصر. فمع وفرة الأدوات، تضاءلت القيمة. ومع كثرة الإنتاج، تراجع العمق. وأصبح كثير من الخطاب الإعلامي أسيرًا للإيقاع السريع، والبعض يلهث خلف “الترند” على حساب المعنى، ويستبدل الفكرة بالصورة، والتأمل بالسرعة، والإنسان بالأرقام. إنها مفارقة قاسية: كلما تطورت الوسائل، ازداد خطر فقدان الجوهر.
القصة الحقيقية لا تُصنع من أدواتها، بل من روحها. هذه ليست عبارة إنشائية، بل قاعدة مهنية وأخلاقية في آنٍ واحد. فالسرد النوعي لا يبدأ من الكاميرا، ولا من منصة النشر، بل يبدأ من سؤال صادق: ماذا نريد أن نقول؟ ولماذا يجب أن يُقال؟ ومن الذي سيُلامس هذا القول في داخله؟
إن الإعلام، في صورته الأعمق، ليس صناعة محتوى، بل صناعة أثر. والفرق بين الاثنين شاسع؛ فالمحتوى قد يُستهلك وينتهي، أما الأثر فيُعاش ويستمر. ولهذا، فإن التحدي الأكبر أمام الكُتّاب والإعلاميين اليوم هو استعادة البعد الإنساني في السرد، وإعادة الاعتبار للقصة بوصفها تجربة شعورية نابضة، لا مجرد منتج رقمي عابر.
هذا التحول يفرض مهارات جديدة، لا تقل أهمية عن المهارات التقنية. فالإعلامي الناجح لم يعد هو من يجيد استخدام الأدوات فقط، بل من يجيد قراءة الإنسان: فهم مشاعره، استيعاب قضاياه، والقدرة على ترجمة تعقيداته إلى حكاية بسيطة وعميقة في آنٍ واحد. إن كتابة قصة نوعية اليوم تتطلب حسًا إنسانيًا عاليًا، ووعيًا ثقافيًا، وقدرة على الربط بين التفاصيل الصغيرة والسياقات الكبرى.
كما أن التحدي يمتد إلى المصداقية، التي أصبحت عملة نادرة في سوق مزدحم بالمعلومات. فالجمهور، رغم انغماسه في العالم الرقمي، أصبح أكثر وعيًا وتمييزًا، وأكثر قدرة على كشف السطحية والتزييف. وهذا ما يجعل السرد الصادق، العميق، المرتكز على الإنسان، هو الطريق الوحيد لكسب ثقته.
في نهاية المطاف، لا يمكن للإعلام أن يستمر في أداء دوره إذا فقد صلته بالإنسان. فالتقنيات، مهما بلغت من تطور، تظل أدوات صامتة، لا تنبض إلا حين تمسّها روح القصة. وحين يلتقي الإعلام بالإنسان، تتحول الحكاية من مجرد محتوى يُشاهد، إلى تجربة تُحسّ… ومن خبرٍ يُنشر، إلى أثرٍ يُخلّد.
إنها لحظة فاصلة في تاريخ السرد الإعلامي؛ إما أن ننجرف مع الضجيج، أو أن نصنع معنى. وإما أن نكتب لنُرى، أو أن نكتب لنُشعر. وفي هذا الاختيار، يتحدد مستقبل القصة… ومكانة الإعلام ذاته.
د. عبدالعزيز العنزي
Audd1231Audd123@
عضو جمعية إعلاميون